وجد الشاب عبد اللطيف حلس في زنزانته الضيقة بساحة سجن النقب ما يكسر وحشة العزلة حين اقترب منه عصفور صغير متجاوزا الاسلاك الشائكة ليفتح في نفسه بابا من الامل عجزت السجون عن اغلاقه.
واعتاد الشاب قبل اعتقاله على تربية الطيور ومعرفة طباعها بدقة حيث كان يميز قلقها وطمأنينتها من خلال حركة اجنحتها وهو ما جعله يرى في زائر السجن ضيفا حمل اتساع السماء الى مكانه الضيق.
واكد عبد اللطيف انه كان يقتطع جزءا من طعامه القليل ليطعم العصفور الذي صار ينتظره في كل مرة يخرج فيها الى ساحة الفورة لتتحول تلك الدقائق الى فسحة لقاء مع روح الحرية.
عصفور يخفف اوجاع السجن
وبين الشاب وهو يستعيد ذكرياته المؤلمة ان رؤية تلك الطيور كانت تهون عليه قسوة التعذيب والضغط النفسي الذي تعرض له داخل الزنازين حيث اصبحت العصافير رابطا حيا بينه وبين عالم ما بعد الجدران.
واضاف ان الطيور البرية التي الفت الاسرى اقتربت منه لمسافة الصفر مما جعله يستحضر ذكريات بيته القديم واقفاصه واصوات طيوره التي كان يرعاها بحب قبل ان تسرق الحرب سنوات من عمره وحلمه.
وشدد على ان عودته بعد التحرر الى تربية العصافير في مزرعته الصغيرة كانت بمثابة محاولة لترميم روحه المثقلة بالجراح ومواصلة الحكاية التي بدأت داخل ساحة الاسر في لحظة صفاء مع كائن صغير.
ايلين في هيئة عصفور
وكشف الاسير المحرر حسن المغربي عن تجربة مشابهة حيث وجد في فرخ عصفور صغير ظهر امام قدميه بعد جولات من التعذيب صورة لابنته ايلين التي لم يرها قط منذ اعتقاله.
واظهر حسن ان تواجده في الساحة كان يمتلئ بمشاعر الابوة المؤجلة فكان ينادي اصدقاءه ليشاركوه رؤية العصفور الذي اعتبره رمزا لطفلته المنتظرة التي كان يتخيل ملامحها في كل تفاصيل الفرخ الصغير الرقيق.
واوضح انه بعد خروجه من السجن استقبله الواقع بمرارة حيث وجد ابنته تكبره بعامين وتناديه عمو بدلا من ابي وهي لحظة قاسية لخصت حجم الفراغ والالم الذي خلفته سنوات الاعتقال والبعد عن العائلة.
خسارة عصافير الزينة
وكشفت الحرب الاخيرة على غزة عن مأساة حقيقية طالت قطاع تربية الطيور حيث نفق نحو 90% من طيور الزينة بسبب القصف والنزوح والحصار الخانق الذي حرمها من الغذاء والدواء اللازم لبقائها.
واضاف المربي محمد الصوراني انه فقد مزرعته التي كانت تضم 70 زوجا من الطيور الثمينة بعد ان قضت سنوات في تطويرها وتوثيقها بحلقات تحمل اسمه كبصمة خاصة ترافقه في رحلته المهنية الطويلة.
واكد الصوراني ان خسارته المادية التي تقدر بآلاف الدولارات لا تضاهي الحزن على فقدان تلك الارواح التي كانت جزءا من حياته اليومية محاولا اليوم البدء من جديد بمحل صغير رغم قسوة الظروف.
سلالات نادرة تندثر
وبين مدير الجمعية الفلسطينية للطيور باهر عكيلة ان القطاع فقد سلالات نادرة من الببغاوات والطيور الملونة التي كانت تتطلب خبرة طويلة لإنتاجها نتيجة المجاعة والقصف الذي لم يستثنِ حتى الكائنات الاليفة.
واظهرت البيانات ان اسعار الطيور المتبقية قفزت بشكل جنوني نتيجة ندرتها وصعوبة استيراد الاعلاف والادوية البيطرية مما جعل هواية تربية العصافير في غزة ترفا لا يقوى عليه الا القليل من المربين الصامدين.
واكد عكيلة ان ما تبقى من هذا القطاع يمثل شاهدا حيا على حجم الدمار الذي طال كل شيء في غزة من البشر والشجر وحتى الطيور التي كانت تغرد يوما في سماء المدينة المحاصرة.
