بقلم عمر الدريني
ليست المجتمعات القوية هي تلك التي تمتلك الموارد الأكبر فحسب، بل تلك التي تنجح في الحفاظ على منظومة القيم الصغيرة التي تمنح الحياة معناها الإنساني، ومن بين هذه القيم، تبدو كلمات بسيطة مثل "شكرًا" و"من فضلك" و"أحسنت" أقل أهمية مما تستحق، رغم أن أثرها يتجاوز الحروف إلى بناء ثقافة كاملة من الاحترام والتقدير والتماسك الاجتماعي.
في زحمة الحياة وتسارع إيقاعها، أصبحت العلاقات الإنسانية أكثر اختصارًا، وأصبح كثير من الناس يتعاملون مع المعروف وكأنه أمر طبيعي لا يستحق الامتنان، ومع الجهد وكأنه واجب لا يحتاج إلى تقدير، ومع الوقت، لا تختفي الكلمات الجميلة وحدها، بل يتراجع معها شيء من الدفء الإنساني الذي يجعل المجتمع أكثر تماسكًا وقدرة على تجاوز ضغوط الحياة.
في أحد المواقف التي تتكرر يوميًا، قد يقضي عامل نظافة ساعات طويلة في أداء عمله تحت الشمس، أو يبذل موظف بسيط جهدًا إضافيًا لمساعدة مراجع، أو يسهر معلم على متابعة طلابه، ثم ينتهي كل ذلك دون كلمة تقدير واحدة، قد يبدو الأمر بسيطًا، لكنه ليس كذلك، فالإنسان، مهما كان موقعه، يحتاج إلى الشعور بأن جهده مرئي، وأن ما يقدمه لا يمر مرورًا عابرًا.
ولعل أجمل ما في ثقافتنا العربية والإسلامية أنها لم تنظر إلى الامتنان بوصفه مجاملة اجتماعية فحسب، بل اعتبرته قيمة أخلاقية. فقد ورد في الحديث الشريف: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله"، في إشارة عميقة إلى أن الامتنان ليس سلوكًا ثانويًا، بل جزء من منظومة أخلاقية متكاملة.
المفارقة أن الناس يتذكرون الكلمات الطيبة أكثر مما يتذكرون أحيانًا المكاسب المادية، فكلمة تقدير صادقة من مدير لموظفه، أو من طالب لمعلمه، أو من مريض لطبيبه، قد تبقى في الذاكرة سنوات طويلة، لأنها تلامس حاجة إنسانية أصيلة تتمثل في الشعور بالقيمة.
وعلى الجانب الآخر، فإن غياب ثقافة التقدير يترك أثرًا صامتًا لا يظهر مباشرة، فحين يشعر الإنسان أن جهده لا يُرى، أو أن ما يقدمه يُقابل بالجفاء أو التجاهل، فإنه مع الوقت يفقد جزءًا من حماسه ورغبته في العطاء، ليس لأنه تغير، بل لأن الإنسان بطبيعته يحتاج إلى التقدير كما يحتاج إلى الاحترام.
ولا يتعلق الأمر بالأفراد فقط، بل بالمجتمعات أيضًا، فالثقافات التي تُعلي من قيمة الامتنان والاعتراف بالجميل تبني بيئات أكثر صحة وتعاونًا، بينما تؤدي ثقافة الجحود إلى انتشار الفردية والبرود العاطفي، حتى بين أقرب الناس.
وفي زمن أصبحت فيه الأخبار الثقيلة والضغوط اليومية تفرض حضورها على تفاصيل الحياة، ربما يكون المجتمع بحاجة إلى استعادة فضيلة بسيطة لا تحتاج إلى تكلفة، لكنها تملك أثرًا عظيمًا: أن نعترف بفضل الآخرين، وأن نتذكر أن كلمة طيبة قد تمنح إنسانًا طاقة للاستمرار أكثر مما نفعل بأشياء كثيرة أخرى.
في النهاية، لا يُقاس رقي المجتمعات بما تمتلكه من أبراج شاهقة أو تقنيات متقدمة فقط، بل بقدرتها على الحفاظ على إنسانيتها، وعلى إبقاء الكلمات الجميلة حية بين الناس.
فربما كانت كلمة "شكرًا" الصغيرة أكبر مما نظن.
