لم يكن يعلم أن عيده الأخير سيكون أقصر من أحلامه…
ولا أن الطريق الذي خرج فيه إلى عمله سيقوده إلى بطولةٍ تُروى ووجعٍ لن ينساه الناس.
كان الشهيد محمد ماجد الفوارس يعيش أيام عيد الأضحى بين أهله وأحبّته، يضحك كما يضحك الجميع، ويُخفي في قلبه فرحةً أكبر كانت تنتظره بعد العيد بأشهر قليلة فقط…
فقد كان خاطبًا، ينتظر يوم زفافه، ويُرتّب مع عائلته تفاصيل العمر القادم، كأي شابٍ يحلم ببيتٍ وحياةٍ ومستقبل.
كانت والدته تنتظر أن تزفّه عريسًا.
وكانت خطيبته تنتظر اليوم الذي يبدأان فيه حياتهما معًا.
وكان الجميع يتحدث عن الفرح القادم…
لكن الله اختار لمحمد طريقًا آخر… طريق الأبطال.
في ثاني أيام عيد الأضحى، وبينما كان الناس يعيشون فرحتهم، خرج محمد إلى عمله في محافظة الزرقاء، قبل أن يصله بلاغٌ عاجل عن عطلٍ خطير في مدينة ملاهٍ.
في لحظات، تحولت أصوات الضحك إلى صراخ.
وتحوّلت مدينة الملاهي إلى مكانٍ مليء بالخوف والذعر.
أطفالٌ عالقون… نساءٌ يصرخن… وأرواحٌ تنتظر النجاة.
وهناك… ظهر محمد.
لم يسأل عن حجم الخطر.
ولم يفكر أن لديه أمًّا تنتظره، وخطيبةً تحلم بعودته، وعرسًا اقترب موعده.
لم يفكر إلا بشيءٍ واحد:
أن هناك أطفالًا يجب أن يعودوا إلى أمهاتهم أحياء.
دخل محمد إلى قلب الخطر وكأنه يعرف أن البطولة الحقيقية ليست في النجاة… بل في إنقاذ الآخرين.
كان يركض بين الحديد والخوف والفوضى، يحاول أن يُخرج الأطفال واحدًا تلو الآخر، يطمئن هذا، ويحمل ذاك، بينما كانت الأصوات تختلط بالدعاء والدموع والهلع.
ويقول من شهدوا المشهد إن محمد أنقذ أرواحًا بالفعل…
أطفالًا كان يمكن أن تتحول ضحكاتهم إلى مأتم، لولا أن الله سخّر لهم قلبًا مثل قلبه.
لكن، وبينما كان الجميع يبحث عن النجاة لأنفسهم…
كان محمد ينسى نفسه تمامًا.
وكأن الله اختاره في تلك اللحظة ليكون صورةً حقيقية لمعنى التضحية.
رحل محمد ماجد الفوارس…
رحل قبل أن يرتدي بدلته البيضاء،
وقبل أن يرى ليلة عرسه،
وقبل أن يعيش العمر الذي كان يحلم به.
لكنّه رحل بطريقةٍ جعلته أكبر من مجرد اسم…
رحل كبطلٍ حقيقي، وكقصةٍ ستبقى تُروى طويلًا.
رحل وهو يُنقذ أطفال الناس،
وكأن الله كتب له أن يترك الدنيا بالطريقة التي تشبه قلبه النقي.
أيُّ وجعٍ هذا الذي يجعل أمًّا تنتظر ابنها عريسًا… فيعود إليها شهيدًا؟
وأيُّ قلبٍ كان يحمله محمد حتى اختار أرواح الأطفال على حياته وأحلامه ومستقبله؟
سيبقى اسم محمد حيًّا في ذاكرة كل من سمع قصته،
وفي دعوات الأمهات اللواتي عاد أطفالهن سالمين،
وفي قلوب الناس الذين أدركوا أن الإنسانية ما زالت بخير ما دام هناك رجالٌ يشبهون محمد.
رحلتَ يا محمد…
لكنك تركت خلفك بطولةً لا تموت، وذكرى لا تُنسى، ووجعًا سيبقى يسكن القلوب طويلًا.
اللهم ارحم الشهيد محمد ماجد الفوارس رحمةً واسعة،
واغفر له، وأكرم نزله، واجعل تضحيته شفيعةً له يوم القيامة،
وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، في هذه ال
م المباركة،
واجعل كل روحٍ أنقذها نورًا ورحمةً في ميزان حسناته.
