يواجه قطاع غزة تحديا وجوديا مع تعثر تنفيذ بنود اتفاق وقف الحرب الذي دخل حيز التنفيذ منذ فترة طويلة، حيث تتصاعد المؤشرات التي توحي بنية الجانب الاسرائيلي العودة الى العمليات العسكرية المباشرة تحت ذريعة عدم التزام الاطراف الاخرى بالاتفاق، مما يضع مستقبل الهدوء الهش على المحك في ظل ترقب دولي لما ستؤول اليه الاوضاع الميدانية.
وتشير المعطيات الحالية الى ان حالة الجمود في ملف المساعدات وعملية اعادة الاعمار، بالاضافة الى تزايد وتيرة الاغتيالات والتوغلات، تعزز فرضية ان الاحتلال يسعى لافشال المرحلة الحالية، وتطرح تساؤلات ملحة حول الموقف الامريكي الحقيقي وما اذا كانت ادارة الرئيس دونالد ترمب ستمنح نتنياهو الغطاء اللازم لاستئناف الحرب بشكل واسع النطاق.
وتكشف التقارير الميدانية ان جيش الاحتلال عمل على توسيع نطاق سيطرته داخل القطاع بشكل غير معلن، حيث تم التلاعب بالحدود الدفاعية التي تعرف بالخط الاصفر لتمتد الى مساحات شاسعة من اراضي القطاع، وهو ما يراه مراقبون خطوة مدروسة تهدف الى فرض واقع جديد يسهل عمليات التحرك العسكري في المستقبل.
استراتيجية نتنياهو في الميدان
ويبين الخبير في الشؤون الاسرائيلية مهند مصطفى ان ما يحدث ليس عشوائيا، بل هو جزء من مخطط مبيت يهدف الى تحويل القطاع الى منطقة تخضع للامننة الدائمة، موضحا ان نتنياهو يجد في استمرار التوتر وسيلة لا غنى عنها للحفاظ على تماسك ائتلافه الحكومي وتجنب الضغوط السياسية الداخلية.
واضاف مصطفى ان عرقلة عمل اللجنة الوطنية لادارة غزة ليست صدفة، بل هي سياسة ممنهجة ترمي لابقاء حالة الفراغ الاداري لضمان بقاء حماس كهدف عسكري دائم، وهو ما يخدم اجندة نتنياهو الانتخابية التي تقوم على الوعود المتكررة بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية.
واكد المحلل ان التوسع الاسرائيلي في عمق القطاع وصل الى مستويات قياسية تتجاوز نصف مساحة غزة، مما يجعل من فكرة العودة الى مسار سياسي امرا بالغ الصعوبة في ظل هيمنة العقلية العسكرية على صناعة القرار في تل ابيب.
تعقيدات نزع السلاح وموقف واشنطن
ويوضح المسؤول السابق في الخارجية الامريكية توماس واريك ان ملف نزع السلاح بات العقدة الكبرى التي تعطل كافة المسارات الدولية، مبينا ان رفض الفصائل الفلسطينية الانصياع للخطط المطروحة دفع العديد من الدول الى التراجع عن ارسال قوات حفظ سلام دولية كانت مقررة سابقا.
واضاف واريك ان استهداف الشرطة المحلية من قبل القوات الاسرائيلية ساهم بشكل مباشر في انهيار المنظومة الامنية المدنية، مما عقد عملية نقل السلطة واوجد مبررات جديدة لنتنياهو للتمسك بوجود عسكري دائم في القطاع تحت غطاء حماية الامن.
وشدد المحلل السياسي اياد القرا على ان الاحتلال لم يلتزم باي بند من بنود الاتفاق، مشيرا الى ان الفصائل قدمت ضمانات مكتوبة للوسطاء بشان تسليم مهام الحكم، الا ان الجانب الاسرائيلي يصر على تخريب هذه الجهود لضرب اي امكانية لاستقرار مدني في القطاع.
ترمب ورهانات المرحلة المقبلة
ويكشف القرا ان تصريحات الرئيس ترمب الاخيرة تعطي انطباعا بدعم غير معلن لنتنياهو، حيث يركز الخطاب الامريكي الحالي على ان اسرائيل بحاجة لقيادة تركز على الحرب بدلا من القضايا الاخرى، وهو ما يفتح الباب امام احتمالية ضوء اخضر امريكي لعودة التصعيد.
واضاف واريك ان غزة تراجعت في سلم الاولويات الامريكية لصالح ملفات اكثر سخونة مثل لبنان وايران، مما يمنح نتنياهو هامشا للمناورة السياسية والميدانية دون خوف من ضغوط امريكية حقيقية قد توقف عملياته العسكرية.
ويبين المحللون ان خيار العودة للحرب يظل ورقة ضغط قوية في يد الاحتلال، ما لم ينجح الوسطاء في الضغط نحو تحول جذري من منطق العمليات الامنية الى منطق الحلول السياسية التي تنهي المعاناة الانسانية المستمرة منذ اعوام.
