شكل العرض الافتتاحي لمهرجان الفيلم العربي في برلين محطة استثنائية مع انطلاق فيلم فلسطين 36 الذي استطاع أن يفرض نفسه كوثيقة بصرية حية تتجاوز مفاهيم السينما التقليدية. وكشفت المخرجة آن ماري جاسر عن رؤيتها التي لا تقف عند حدود الماضي بل تغوص في جذور الثورة الفلسطينية الكبرى لتقدم قراءة فنية تتقاطع فيها خيوط التاريخ مع تعقيدات الواقع المعاصر. وأكدت جاسر أن العمل ليس مجرد سرد لأحداث قديمة بل هو محاولة لاستنطاق الذاكرة الجمعية وتفكيك القوالب النمطية التي تحاول حصر الفلسطيني في إطار الضحية الساكنة.
وبينت المخرجة أن الفيلم واجه تحديات كبيرة وحملات تشويه منظمة سعت لعرقلة عرضه أو تغيير مساره في أكثر من مدينة بما في ذلك محاولات المنع في القدس. وأوضحت أن الفريق أصر على الاستمرار رغم الخسارات القاسية التي لحقت بهم عقب أحداث تشرين الاول حيث تحول التصوير بين الأردن وفلسطين إلى فعل مقاومة ثقافي يعيد بناء قرى كاملة وتفاصيل زمن الانتداب البريطاني بدقة متناهية. وشددت على أن الهدف من هذا الجهد هو الحفاظ على الحكايات التي يرفض أصحابها أن تندثر تحت ركام النسيان.
تحدي السردية الدولية والوصول إلى الأوسكار
وأظهر وصول فيلم فلسطين 36 إلى القائمة القصيرة لجوائز الأوسكار قدرة العمل على اختراق الحواجز العالمية وإيصال الصوت الفلسطيني إلى منصات دولية لم تكن متاحة بسهولة من قبل. وأضافت جاسر أن المهرجانات السينمائية تمثل بالنسبة لها مساحات حيوية لكسر العزلة الثقافية وطرح الأسئلة الجريئة التي يخشى الكثيرون الاقتراب منها في ظل صمت دولي مريب. وأكد بطل العمل كريم عناية أن التجربة حملت أبعادا مزدوجة حيث كان على الفريق إعادة تسليط الضوء على دور الاستعمار البريطاني الذي سقط عمدا من الروايات السائدة لسنوات طويلة.
وذكرت مديرة المهرجان باسكال فخري أن اختيار الفيلم للافتتاح جاء تقديرا لكونه ليس مجرد عمل فني بل وثيقة سياسية وتاريخية تربط الماضي بالحاضر بشكل لا يقبل التأويل. وأضاف السفير الفلسطيني ليث عرفة أن هذا الفيلم يمثل ركيزة أساسية في معركة السردية التي تهدف إلى تفكيك الروايات المضللة التي ترسخت لعقود في الوعي الغربي. وبينت ردود فعل الجمهور في برلين أن الفيلم نجح في إحداث صدمة معرفية لدى المشاهدين الذين اكتشفوا أبعادا جديدة لمعاناة ممتدة منذ عقود مما يجعل من هذا العمل محطة فارقة في تاريخ السينما الفلسطينية المعاصرة.
