تتأرجح عملية السلام في تركيا بين طموحات تسوية ملف العمال الكردستاني ومخاوف من حالة جمود تفرضها التجاذبات السياسية الراهنة. وبينما تروج الحكومة التركية لتطمينات مستمرة حول سير المبادرة في مسارها الصحيح، ترتفع أصوات من الجناح العسكري للحزب تتهم السلطات بالمماطلة وتعطيل الخطوات التنفيذية المتفق عليها. وتأتي هذه التطورات في وقت حساس يتطلب حلا جذريا لملف السلاح والعمل الديمقراطي.
واضاف القيادي في الجناح العسكري للحزب مراد كارايلان أن الحزب قد اتخذ خطوات ملموسة شملت وقف إطلاق النار والانسحاب، معتبرا أن الحكومة جمدت العملية عمليا. وشدد كارايلان على أن المواعيد التي حددها مسؤولون حكوميون لطرح تشريعات برلمانية قد انقضت دون أي تحرك ملموس على أرض الواقع. وبين أن استمرار غياب التواصل مع عبد الله أوجلان يعد مؤشرا خطيرا على مستقبل هذه العملية برمتها.
واكدت تولاي حاتم اوغولاري الرئيسة المشاركة لحزب الديمقراطية والمساواة للشعوب أن هناك حالة من الانسداد تعيق تقدم المبادرة حاليا. واوضحت أن حزبها يبذل جهودا حثيثة لتجاوز العقبات القائمة، مشيرة إلى أن الوضع الراهن يتطلب شفافية أكبر من كافة الأطراف المعنية. وكشفت عن وجود انتقادات حادة وجهت للحكومة بسبب ما وصفته بالتردد في اغتنام الفرصة التاريخية للسلام.
تصلب المواقف الحكومية وردود الفعل
وبين الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في تصريحاته أن العملية تسير وفق ما ينبغي نافيا وجود أي تعثر حقيقي في المبادرة. واضاف أن من يروج لاستنتاجات متشائمة يعتمد على أوهام بعيدة عن الحقائق الميدانية والسياسية. واوضح أن الموافقة على تقرير لجنة التضامن الوطني يضع الجميع أمام مفترق طرق يستوجب التعامل معه بحرص شديد لضمان استقرار البلاد.
وشدد اردوغان على أن تحالف الشعب يهدف إلى اجتياز هذه المرحلة الصعبة بدعم سياسي واسع ينهي حقبة الإرهاب نهائيا. وكشفت مصادر مطلعة أن رئيس المخابرات التركية إبراهيم كالين قدم عرضا تفصيليا حول آليات استقبال عناصر الحزب الذين يلقون أسلحتهم. واظهرت تلك التحركات رغبة حكومية في التحقق الكامل من نزع السلاح قبل المضي قدما في أي إجراءات قانونية أو عفو عام.
واشار مراقبون إلى أن هناك اجتماعات تجري خلف الكواليس بين ممثلي العدالة والتنمية والحزب المؤيد للأكراد لتقريب وجهات النظر. واكدت المصادر أن الطرفين اتفقا على ضرورة صياغة مشروع قانون تنظيمي يحدد مصير المطلوبين والسياسيين المعتقلين. وبينت التقارير أن الموعد المستهدف لعرض هذا المشروع على البرلمان هو منتصف شهر يوليو المقبل لطي هذه الصفحة بشكل نهائي.
آلية التحقق ومستقبل التسوية
واوضحت التقارير أن اللجنة البرلمانية المختصة اقترحت تشكيل لجنة مشتركة تضم ممثلين عن المخابرات والدفاع والداخلية للإشراف على عودة العناصر. واضافت أن هذه الآلية تعد شرطا أساسيا لضمان أمن البلاد ومنع أي تلاعب في عملية تسليم الأسلحة أو التوجه للعمل القانوني. وشددت على أن نجاح هذه الخطوة يعتمد بشكل كلي على التزام كافة الأطراف بالاتفاقيات المبرمة.
وكشفت المصادر عن وجود مطالب من قيادات الحزب بتوسيع المظلة القانونية لتشمل الجميع بما فيهم قيادات الصف الأول المطلوبين دوليا. واظهرت النقاشات أن التوصل لصيغة ترضي الجميع لا يزال يشكل التحدي الأكبر أمام صانع القرار في أنقرة. وبينت أن الأيام المقبلة ستكشف مدى جدية الأطراف في تحويل هذه الوعود إلى تشريعات برلمانية ملموسة تنهي سنوات من الصراع.
واكدت التحليلات أن استقرار المنطقة يعتمد بشكل مباشر على إنجاح هذه المبادرة وتجاوز فجوة الثقة بين الدولة والحركات الكردية. واضافت أن الحكومة التركية تراهن على هذه العملية لتعزيز وحدتها الوطنية وتحقيق استقرار طويل الأمد. وشددت على أن الفرصة لا تزال قائمة إذا ما توفرت الإرادة السياسية الصادقة للالتزام بالوعود المتبادلة.
