تشهد الساحة الفرنسية حالة من الانقسام الحاد حول قضايا الهوية والانتماء حيث تحولت المائدة اليومية الى ساحة مواجهة سياسية بامتياز مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الكبرى في وقت يتساءل فيه الفرنسيون عن معنى هويتهم الوطنية.
واظهرت النقاشات الدائرة ان الدجاج الحلال والكسكسي واللغة العربية اصبحت تمثل عناوين بارزة في معارك سياسية تستخدم الطعام كاداة للاستقطاب بين من يدعو للتعددية الثقافية وبين من يتمسك بصورة تقليدية ومغلقة للتراث الفرنسي.
وبين تقرير صحفي ان هذا الجدل ليس وليد اللحظة بل هو انعكاس لبنية ثقافية معقدة حيث يتم توظيف الممارسات الغذائية واللغوية لتحديد من ينتمي فعليا الى المجتمع الفرنسي ومن يظل خارج هذا التعريف.
ابعاد الصراع الثقافي في فرنسا
واوضح علماء اجتماع ان الغذاء في فرنسا ليس مجرد مادة للاستهلاك بل هو طقس اجتماعي وسياسي مركزي حيث يمثل الوصول الى الموارد وتقاسمها احد الاسس التاريخية التي قامت عليها التجمعات البشرية منذ القدم.
واكد الباحثون ان تسييس المائدة يزداد حدة مع صعود النزعات الهوياتية لدى اطراف متصارعة تتفق جميعها على تحويل العادات الغذائية الى ادوات لتصنيف الجماعات وتحديد حدود الهوية داخل المجتمع الفرنسي المتنوع بشكل متسارع.
واضاف المراقبون ان المشهد السياسي الفرنسي اصبح اكثر استقطابا حيث يسعى المرشحون لاستغلال هذه الرموز لتعزيز شعبيتهم لدى قواعد انتخابية متباينة مما يجعل من ابسط تفاصيل الحياة اليومية قضية وطنية تثير الكثير من الجدل.
مطاعم الحلال وولائم الخنزير
وكشفت التطورات الاخيرة ان سلسلة مطاعم ماستر بوليه المخصصة للدجاج الحلال اثارت انتقادات واسعة بدعوى تاثيرها على طابع الاحياء الشعبية في حين دافع عنها اخرون باعتبارها متنفسا للشباب والطبقات ذات الدخل المحدود في فرنسا.
واشار متابعون الى ان هذا الملف يقابله تنظيم ولائم الكانون التي تقدم الخنزير والخمور باسعار مرتفعة حيث يرى المنتقدون ان هذه الفعاليات تحمل طابعا اقصائيا ومناهضا لوجود المكونات الثقافية والدينية الاخرى في البلاد.
وذكرت تقارير ان النيابة العامة فتحت تحقيقات في بعض تلك التجمعات بسبب تقارير عن شعارات عنصرية مما يعكس حجم التوتر الاجتماعي الذي بات يغلف هذه الممارسات الثقافية والغذائية في مختلف المناطق الفرنسية.
اللغة والكسكسي كرموز للمواجهة
وبينت شهادات حية ان اللغة العربية والكسكسي لم يعودا مجرد عناصر ثقافية بل اصبحا جزءا من استعادة الهوية لدى اجيال المهاجرين الذين يسعون لدمج اصولهم مع انتمائهم للجمهورية دون الشعور بالخجل او التهميش.
واكدت المصادر ان السخرية السياسية من الكسكسي او محاولات تقييد المطاعم الشرقية هي امتداد لخطابات قديمة بدات منذ ثمانينات القرن الماضي وتجدد اليوم في اطار البحث عن تعريف جديد لفرنسا في القرن الحالي.
واضاف الخبراء ان القضية الحقيقية تتجاوز ضجيج المطابخ واللغات لتصل الى تساؤل جوهري حول قدرة النموذج الفرنسي على استيعاب التنوع الكبير في مجتمع باتت هويته تتشكل من مزيج واسع من الثقافات والانتماءات المتعددة.
