كشفت دراسة حديثة للباحث ضياء نعيم الصفدي ان ظاهرة التخابر في قطاع غزة لم تعد مجرد ممارسة تقليدية لنقل المعلومات، بل تحولت الى نمط من الاندماج الجزئي في منظومة العدو، حيث يتجاوز الفعل كونه جريمة قانونية ليصبح دورا وظيفيا يعاد انتاجه، واظهرت الدراسة ان الحرب خلقت بيئة ضاغطة جعلت من الفرد حلقة ضعيفة يمكن استغلالها لتتحول من جزء من المجتمع الى اداة تعمل ضده، واوضحت النتائج ان التخابر الان يتخذ اشكالا ميدانية مباشرة تهدف الى رصد التحركات وتوجيه ضربات عسكرية مما يعمق من خطورة الاختراق الامني.
واضافت الدراسة ان الوصول الى مرحلة التخابر لا يحدث فجأة، بل هو نتاج تفاعل معقد بين ظروف اقتصادية قاهرة وهشاشة نفسية واجتماعية، وبينت ان الفقر والبطالة يمثلان مجرد بوابة اولى، بينما يلعب الاستقطاب المنظم دورا في تحويل الفرد من حالة الاضطرار الى حالة المفاوضة العقلانية، واكدت ان التخابر في كثير من الحالات يتحول الى صفقة يبررها الفرد لنفسه بناء على حسابات مصلحية ضيقة.
واوضحت الدراسة ان غياب الوعي السياسي والديني يفتح فراغا كبيرا تستغله الجهات المعادية لتمرير رواياتها، وشددت على ان الوازع الوطني والقيمي يظل الحصن الاول الذي يمنع انزلاق الافراد نحو هذا المسار، وبينت ان العوامل الاجتماعية مثل التفكك الاسري والشعور بالتهميش تلعب دورا حاسما في اضعاف مناعة الفرد وجعله اكثر عرضة للوقوع في فخ التجنيد.
خريطة المجموعات المتورطة في التخابر
وكشفت الدراسة عن وجود تشكيلات منظمة تعمل لصالح الاحتلال في مناطق مختلفة من قطاع غزة، وبينت ان مجموعة رفح التي تضم نحو ثلاثمئة شخص تعد من اخطر التشكيلات نظرا لدورها في رصد التحركات الحدودية، واضافت ان هناك مجموعة اخرى في خان يونس تتكون من اربعين عنصرا انخرطت في العمل الاستخباراتي الميداني المباشر داخل النسيج الاجتماعي المحلي.
واكدت الدراسة ان المناطق الشرقية لمدينة غزة تشهد نشاطا لمجموعات متخصصة في جمع معلومات دقيقة عن خطوط التماس، واوضحت ان هذه المجموعات تستغل طبيعة الارض والمواقع الحساسة لتقديم بيانات انية للاحتلال، وبينت ان المجموعات في شمال غزة تستفيد من الكثافة السكانية العالية للرصد والتخفي، مما يجعل من وجودها خطرا يهدد الثقة المجتمعية بالكامل.
واضافت الدراسة ان هذا التوزيع الجغرافي للمجموعات يؤكد ان التخابر اصبح بنية عمل منظمة وليس مجرد تصرفات فردية معزولة، واوضحت ان هذه التشكيلات تعمل بتنسيق دقيق يهدف الى تفتيت قدرة المجتمع على المقاومة من خلال زرع العيون في كل زاوية، واكدت ان طبيعة المهام الموكلة لهذه المجموعات تتجاوز المعلومات العامة لتصل الى المشاركة المباشرة في التخطيط للعمليات.
الاثر الاعمق.. تفكيك الثقة
وبينت الدراسة ان الخطر الاكبر للتخابر يكمن في تفكيك الروابط الاجتماعية وزرع الشك بين الافراد، واوضحت ان الهدف الاستراتيجي من هذه العمليات هو دفع المجتمع نحو حالة من التفكك تفقده القدرة على اتخاذ رد فعل منظم، واضافت ان فقدان الثقة بالنفس والشك في المحيط يمثلان نصرا معنويا للعدو يفوق في تأثيره الضربات العسكرية المباشرة.
واكدت الدراسة ان المواجهة مع هذه الظاهرة لا يمكن ان تقتصر على الحلول الامنية والقانونية فقط، واوضحت ان بناء مناعة اجتماعية صلبة يتطلب ترميم الروابط المجتمعية وتعزيز الوعي الفردي، وبينت ان المعركة الحقيقية هي معركة وعي حول تعريف الذات والانتماء للوطن بعيدا عن الاغراءات والمصالح الضيقة.
واضافت الدراسة في ختام تحليلها ان فهم دوافع التخابر ضرورة ملحة للحد من انتشاره، وشددت على ان المجتمع القوي هو الذي يمتلك القدرة على تحصين افراده ضد الاختراق، واكدت ان التوعية المستمرة وتوفير بيئة اجتماعية متماسكة يمثلان السلاح الاكثر فعالية في مواجهة محاولات التجنيد التي تستهدف استقرار الجبهة الداخلية.
