في مشهد يعكس التحديات السياسية والاجتماعية. شهدت الاراضي الفلسطينية انتخابات الهيئات المحلية. حيث توجه الفلسطيني نادر شعبان البالغ من العمر 97 عاما من قرية الجلمة شمال مدينة جنين. الى مركز الاقتراع ليشارك بصوته في اختيار المجلس المحلي. رغم ما يراوده من شكوك حول امكانية تحقيق تغيير ملموس.
وفي حديث له. بين الحاج نادر ان احساسه بالواجب تجاه من يستحق الدعم هو الذي دفعه للمشاركة والتصويت. واضاف انه لا يتذكر عدد المرات التي شارك فيها بالانتخابات خلال حياته. الا انه يعتبر دعم من يراه مناسبا واجبا عليه.
واليوم. اعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج النهائية لانتخابات الهيئات المحلية. والتي جرت في الضفة الغربية والقدس ودير البلح بقطاع غزة.
تطلعات المواطنين والتحديات القائمة
ويبدو المسن الفلسطيني متشككا بشان امكانية حدوث تغيير حقيقي بعد هذه الانتخابات. ومع ذلك. يعبر عن امله في ان يمتلك المرشحون خططا جادة للنهوض بالقرية وتحسين مستقبل سكانها. ويقول ان الفساد قد استشرى منذ فترة طويلة في مؤسسات الدولة. لكنه يتمنى ان يتمكن المخلصون من خدمة مجتمعهم.
واكد الحاج نادر انه لم يصوت بناء على اعتبارات عائلية او قبلية. وهو الامر الذي كان سائدا في الانتخابات السابقة. مضيفا انه منح صوته لمن يرى فيه القدرة على احداث تغيير ايجابي في القرية. بغض النظر عن اي علاقات شخصية او مصالح.
وفي مدرسة بنات عجة جنوب جنين. التقت مراسلتنا بالمواطن محمد علي البالغ من العمر 38 عاما. والذي اوضح ان الانتخابات تتعلق بالمجالس الخدمية بشكل اساسي. فهي ليست انتخابات حزبية بالمعنى الحقيقي. حتى وان كان بعض المرشحين يمثلون احزابا. واشار الى انه في القرى يتم التركيز على سمعة المرشح وعائلته. لان البرامج الانتخابية غالبا ما تكون ذات طابع خدماتي وليست سياسية.
ارقام المشاركة في الضفة والقدس
وفي سياق متصل. كشفت الاحصائيات ان نحو 512 الفا و510 مواطنين ادلوا باصواتهم في الضفة الغربية من اصل اكثر من مليون ناخب مسجل. وهو ما يمثل نسبة مشاركة بلغت 53.44%. وقد تنافس 5131 مرشحا على مقاعد 183 هيئة محلية. بينما فازت 197 هيئة بالتزكية وفقا للجنة الانتخابات المركزية.
وفي القدس. جرت الانتخابات في 5 هيئات محلية فقط من اصل 29 هيئة. وهي قطنة وبيدو وقلنديا البلد وحزما وبيت حنينا البلد. وشُكلت مجالس اخرى بالتزكية او تعذر اجراء الانتخابات فيها لاسباب سياسية.
وحسب تصريحات معروف الرفاعي. مسؤول الاعلام في محافظة القدس. بلغت نسبة التصويت في المحافظة 43.9% حتى اغلاق صناديق الاقتراع. موضحا ان عدم مشاركة بقية الهيئات المحلية يعود الى عدة عوامل. منها القيود التي يفرضها الاحتلال والحواجز العسكرية. بالاضافة الى تراكم الديون المالية على بعض هذه الهيئات.
غياب المنافسة في المدن الكبرى وتراجع المشاركة
الجدير بالذكر ان الانتخابات غابت عن مدن رئيسية في الضفة الغربية. حيث ذهبت مدينتا رام الله ونابلس الى التزكية. بينما لم تنجح مدينة قلقيلية في تقديم اي قائمة للترشح لرئاسة بلديتها. وشهدت مدينة الخليل مشاركة ضعيفة. حيث بلغت نسبة التصويت 30% فقط رغم وجود اكثر من 100 الف ناخب مسجل.
ويرى الصحفي والمحلل السياسي اكرم النتشة ان نسبة المشاركة في انتخابات عام 2022 كانت اعلى. حيث وصلت الى 45%. ويعزو تراجع الاقبال في هذه الانتخابات الى اعتبارات دينية وسياسية.
وقال النتشة ان بعض الفصائل قاطعت الانتخابات بسبب شرط الاعتراف بالتزامات منظمة التحرير. بينما قاطعت فصائل اخرى الترشح لكنها لم تمنع جمهورها من التصويت. واضاف ان هناك من قاطع الانتخابات لاسباب دينية. معتبرا ان شروطها الحالية تخالف الدين.
واشار النتشة الى ان الهموم اليومية للمواطن الفلسطيني. مثل الاوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات البطالة. بالاضافة الى الاعتداءات اليومية من قبل جيش الاحتلال وسرقة الاراضي. قد طغت على اهتمام الناس وجعلت الانتخابات امرا ثانويا.
اتهامات بالتضييق على المرشحين في نابلس
وفي نابلس. اثار اعلان فوز عنان الاتيرة برئاسة المجلس البلدي بالتزكية استياء العديد من السكان. حيث حُرم نحو 89 الف شخص من حقهم في التصويت. كما سجلت اعتراضات من مرشحين حاولوا تشكيل قوائم. الا ان محاولاتهم باءت بالفشل.
وكشف الاستاذ في كلية الهندسة بجامعة النجاح الوطنية محمد دويكات انه قدم طعنا لدى لجنة الانتخابات المركزية. مبينا ان الاجهزة الامنية الفلسطينية اجبرته على التراجع عن تسجيل قائمة مستقلة كان يعمل على تشكيلها. الا ان طعنه قوبل بالرفض.
واكد دويكات ان الاجهزة الامنية. وخاصة جهازي الامن الوقائي والمخابرات العامة. استدعت عددا من المرشحين في قائمته واحتجزتهم لعدة ايام. ما ادى الى عدم اكتمال القائمة وصعوبة تقديمها في الموعد المحدد. مضيفا ان احتجاز المرشحين كان يهدف الى افشال القائمة ومنعها من الترشح.
واستمر دويكات حتى يوم الاقتراع في المطالبة بوقف الانتخابات في نابلس واعادة النظر فيها. وذلك لتمكين السكان من تشكيل قوائم تمثلهم بشكل حقيقي.
ولم يسلم يوم الاقتراع من اعتداءات قوات الاحتلال الاسرائيلي والمستوطنين. حيث داهم جنود الاحتلال مركز اقتراع في الخليل واصابوا عددا من المواطنين. كما اندلعت مواجهات في مخيم العروب عقب اغلاق الصناديق. واغلق مستوطنون الطريق المؤدي الى قرية مخماس شمال شرق القدس.
شروط الترشح تثير الجدل وتزيد العزوف
وشهدت انتخابات هذا العام توزيع الناخبين على 491 مركز اقتراع. بما في ذلك 12 مركزا في دير البلح. حيث جرت الانتخابات لاول مرة منذ 22 عاما. وقد مددت لجنة الانتخابات مدة التصويت هناك ساعة اضافية. وبلغت نسبة المشاركة 22.7%.
ويرى الناشط السياسي عمر عساف ان شرط الاعتراف بالتزامات منظمة التحرير يقصي الاحزاب والفصائل غير المنضوية فيها. ويفرغ العملية الانتخابية من جوهرها القائم على التعددية والمنافسة. واضاف ان هذا الشرط يتعارض مع الدستور والمواثيق الدولية ويحرم غالبية الشعب من المشاركة.
وفي المقابل. يرى المحلل السياسي نهاد ابو غوش ان شرط الالتزام ببرنامج منظمة التحرير هو احد ابرز اسباب عزوف المواطنين عن خوض الانتخابات. معتبرا ان العملية اصبحت شكلية لاعادة انتاج الواقع القائم. بينما يرى ايمن يوسف ان فرض هذا الشرط جاء نتيجة ضغوط خارجية. خاصة بعد احداث 7 اكتوبر. بهدف ارسال رسالة بان الفلسطينيين قادرون على ادارة خياراتهم السياسية. واكد يوسف ان نتائج هذه الانتخابات ستنعكس على الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة.
