بين ركام كنائس لبنان وأزقة الموت في غزة، تظهر ازدواجية واضحة في سياسات إسرائيل، فبينما تحركت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لترميم صورتها الأخلاقية بعد حادثة تحطيم تمثال للمسيح في جنوب لبنان، كانت في الوقت نفسه تبارك أيدي جنودها المتوغلة في دماء الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية المحتلة.
هذه المفارقة ليست مجرد ادعاءات خارجية، بل هي اعترافات مدوية خرجت من داخل البيت الإسرائيلي، لتكشف عن سياسة الصمت المطبق التي تتبعها تل أبيب بشأن الفظائع والانتهاكات ضد الفلسطينيين، وهذا التباين يثير تساؤلات حول القيم التي يتشدق بها جيش الاحتلال، وكيف تتحول الجرائم الجسيمة إلى مجرد أخطاء تقنية عندما يكون الضحية فلسطينيا.
وتبين هذه الأحداث انتقائية العقاب، ففي محاولة للمقارنة، ذكرت صحيفة هآرتس أن مقتل الفلسطينيين والدمار في غزة والضفة الغربية حظيا بتعاطف أقل من تدمير تمثال السيد المسيح، وأظهرت هذه المقارنة كيف يتم التعامل بازدواجية مع الضحايا.
انتقائية المحاسبة تكشف ازدواجية المعايير
وفي مثال آخر، ساد الصمت تجاه مقتل أربعة أفراد من عائلة بني عودة في الضفة الغربية برصاص القوات الإسرائيلية، ومع ذلك، لم تجد وحدة التحقيق بوزارة العدل ضرورة لاستجواب الضباط الضالعين في القتل، بعيدا عن محاسبتهم.
واضافت الصحيفة ان سوء سلوك قوات الأمن الإسرائيلية في الضفة الغربية لا يحظى باهتمام جدي إلا عندما يكون موجها إلى صحفيين أمريكيين، وليس الفلسطينيين، ويكشف ذلك عن معايير مختلفة في التعامل مع الضحايا.
واكدت هآرتس أن المحاسبة لا تحضر إلا إذا كان الفعل قد يحرك ردودا دولية، أو كان الضحية حاملا للجنسية الأمريكية، وتغيب تماما حين يكون الضحية إنسانا فلسطينيا لا بواكي له في أروقة السياسة الدولية.
جرائم منظمة بدعم حكومي
وعلقت الصحيفة قائلة: "سياسات نتنياهو تعتمد على الأعداء الخارجيين للحصول على دعم داخلي أعمى"، وهذا يعكس استراتيجية تهدف إلى تعزيز الدعم الداخلي من خلال التركيز على التحديات الخارجية.
ومن هنا يشير محللون إلى أن ما يحدث في الضفة الغربية من قتل واعتداءات ليس ظواهر طبيعية أو فردية، إذ يمكن لإسرائيل منعها أو السيطرة عليها، ولكنها جاءت نتيجة دعم حكومي وقرار تدعمه كبرى المؤسسات العسكرية الإسرائيلية.
وذكرت هآرتس أن ما يحدث في الضفة الغربية يكشف عن انعدام تام للقلق، إذ يغزو المستوطنون أراضي القرى والتجمعات الفلسطينية يوميا، وغالبا ما يرافقهم رجال مسلحون يخدمون في كتائب الدفاع الإقليمي.
غياب المحاسبة يشجع على العنف
وحتى لو كانت حالات الاحتكاك هذه مصنوعة عمدا بهدف طرد الفلسطينيين من منازلهم، فهي تستمر دون تدخل من السلطات أو أي محاولة لإنفاذ القانون، وفقا للصحيفة، ويشير هذا إلى تواطؤ ضمني من السلطات.
فمنذ بداية حرب غزة، قُتل 13 فلسطينيا بسبب هجمات المستوطنين و12 بنيران إسرائيلية مباشرة، وفي معظم الحالات، لا يُعتقل مطلقو النار، وهم مستوطنون يخدمون في الاحتياط، بل يُستجوبون ويُطلق سراحهم.
وفي الوقت نفسه، كشفت الصحيفة عن مجازر منظمة يشنها عشرات الشبان من المستوطنين الملثمين باستخدام الهراوات والأجهزة الحارقة في هجمات خاطفة، إذ يغادرون المكان في غضون دقائق دون أي اعتقال أو محاسبة.
إبادة على الهواء مباشرة وتجاهل دولي
في هذه الحالات تغيب قوات الأمن عن المشهد، ولا تصل إلا بعد انتهاء كل شيء، مما يجعل الاعتقالات نادرة الحدوث، ورغم صدور إدانات أخيرا من الحكومة ورئيس أركان الجيش، فإنها جاءت نتيجة ضغوط الولايات المتحدة، وترى الصحيفة أن ذلك لم يعد كافيا، بل على العكس، فقد سجلت وتيرة الهجمات نموا ملحوظا.
وخلصت الصحيفة إلى أن هذه الاعتداءات ستستمر ما دامت الحكومة لم تقرر وضع حد لهذه الظاهرة، وهو الأمر الذي يبدو بوضوح أنه لا يصب في مصلحة الحكومة الحالية، ويشير هذا إلى أن الحكومة متواطئة في استمرار هذه الاعتداءات.
لم تكن فظائع الحرب في غزة والضفة مجرد تقارير تُنقل خلف الأبواب المغلقة، بل كانت إبادة على الهواء مباشرة استعرضها الجنود الإسرائيليون بأنفسهم أمام عيون العالم، إذ حولوا منصات تيك توك وإنستغرام وتليغرام إلى ساحات لعرضها بكل تباهٍ في غزة.
فوبيا الغرب ودلالة الرموز
ويتباهى الجنود وهم يصورون أنفسهم وهم يقتحمون منازل غزة ويجربون ملابس السكان الداخلية، ويحتفلون بالقصف، ويتخذون وضعيات تصويرية بجوار كتابات انتقامية أو بجانب جثث قتلى فلسطينيين، وقالت هآرتس إنه في حين تحدّث الجيش ضد هذه المنشورات، فإن المسؤولين فشلوا في إدانتها.
وواصلوا استهداف المدنيين الفلسطينيين في مناسبات دينية عدة وخاصة خلال شهر رمضان، متعمدين اقتحام منازلهم في ساعات السحور، ويظهر هذا الاستهداف المتعمد مدى الاستهتار بحقوق الفلسطينيين.
في إحدى الحالات التي نقلتها هآرتس، أظهر مقطع فيديو جنودا إسرائيليين وهم يعتدون جنسيا على معتقل فلسطيني في سجن "سدي تيمان" جنوبي إسرائيل، ويكشف هذا عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
ازدواجية المعايير في التعامل مع الجرائم
ومع ذلك، وصف نتنياهو الفيديو بأنه "هجوم دعائي على إسرائيل" و"افتراء فظيع" على الجنود الضالعين، في مؤشر على أن الازدواجية لم تتوقف عند القتل بل امتدت إلى حماية الضالعين في جرائم أخلاقية، ففي الوقت الذي يعاقَب فيه جندي "التمثال"، كان رئيس الأركان يوافق على عودة الجنود المتهمين بالاعتداء الموثق في سجن "سدي تيمان" إلى الخدمة العسكرية.
مما يعني أن الصورة التي انتشرت لتحطيم التمثال ليست سوى أحدث مثال على نشر لقطات لجنود إسرائيليين يدمرون أو ينهبون الممتلكات، وليست الحادثة الوحيدة، ويشير هذا إلى نمط متكرر من السلوك غير المقبول.
لم يكن "الذهول والحزن" اللذان أبداهما بنيامين نتنياهو إزاء تحطيم تمثال "المسيح" مجرد رد فعل عابر، بل كان استنفارا دبلوماسيا محسوبا بدقة، ففي اللحظة التي هوت فيها مطرقة الجندي على الرمز الديني، استشعرت الرادارات السياسية في تل أبيب خطر انفجار "لغم" في علاقتها مع الفاتيكان وعموم العواصم الغربية.
الخوف من ردود الفعل الدولية
وحتى صحيفة هآرتس لفتت باستغراب إلى أن نتنياهو، الذي اعتاد الصمت حيال انتهاكات الجيش، سارع هذه المرة إلى إدانة الأمر علانية، إذ كتب "لقد شعرت بالذهول والحزن لعلمي أن جنديا ألحق أضرارا بأيقونة دينية كاثوليكية، إنني أدين هذا العمل بأشد العبارات".
وقالت الصحيفة إن هذه المسارعة إلى الإدانة تعكس إدراكا عميقا بأن المساس بالمقدسات المسيحية هو "خط أحمر"، مما يزيد التدقيق الدولي في علاقة الحكومة الإسرائيلية بالمسيحيين، ويظهر هذا الخوف من العواقب الدبلوماسية.
ودخل وزير الخارجية جدعون ساعر على خط الإدانات متوعدا باتخاذ إجراءات صارمة بشأن الواقعة، وهو ما تُرجم لاحقا في بيان للجيش الإسرائيلي أكد فيه فتح تحقيق عبر "التسلسل القيادي".
إجراءات شكلية لامتصاص الغضب
ورغم الوعيد الرسمي بمحاسبة الضالعين، فإن سقف الإجراءات توقف عند إعلان تنحية الجندي وزميله المصور عن المهام القتالية، مع الاكتفاء بحبسهما عسكريا 30 يوما فقط، في عقوبة بدت وكأنها امتصاص لغضب الرأي العام الدولي، بحسب محللين.
وما منح هذه الحادثة "خطورة" استثنائية لدى الدوائر الإسرائيلية هو توقيتها الحرج الذي جاء ليعمّق الفجوة الآخذة في الاتساع بين السلطات وممثلي الكنائس في القدس، إذ لا تزال أصداء أزمة مارس/آذار تتردد في أروقة الفاتيكان، حين أقدمت الشرطة الإسرائيلية على منع البطريرك اللاتيني للقدس الكاردينال بييرباتيستا بيتزابالا، وحارس الأراضي المقدسة الأب فرانشيسكو باتون، من ممارسة الطقوس الدينية في كنيسة القيامة خلال احتفالات "أحد الشعانين".
هذه الواقعة تحولت حينها إلى "فضيحة دبلوماسية" وأحدثت ضجة دولية، أجبرت الجيش الإسرائيلي على اتخاذ الترتيبات اللازمة لإقامة القداس في الموقع المسيحي المقدس.
إدانات دولية واسعة
وبينما حاول الجيش الإسرائيلي امتصاص الغضب بنشر صورة لتمثال بديل جرى تركيبه بالتنسيق مع المجتمع المحلي في بلدة "دبل" اللبنانية، جاء الرد المسيحي الدولي حادا، إذ أعرب الكاردينال بييرباتيستا بيتزابالا عن "استياء عميق وإدانة غير مشروطة"، ووصف الفعل بأنه إهانة خطيرة.
لكنَّ الهجوم الأكثر لذعا جاء من رئيس الأساقفة فينتشنزو باليا، الذي وجّه رسالة مباشرة إلى نتنياهو قائلا "إن يسوع ذهب إلى صور وصيدا في جنوب لبنان، لكنه لم يذهب ليقتل أو يدمر، بل ليضاعف الخبز ويشفي المرضى"، وهي عبارة نسفت الرواية الإسرائيلية التي تحاول تبرير الحرب بوصفها دفاعا عن قيم الحضارة.
ولم يتوقف الخوف الإسرائيلي عند روما بل امتد إلى واشنطن، إذ طالب السفير الأمريكي مايك هوكابي بعواقب "سريعة وقاسية وعلنية"، في حين وصف اليمين الأمريكي المشاهد بأنها "مروعة".
وفي المحصلة، يقرأ محللون هذا الاستنفار الرسمي الإسرائيلي بأنه ذعر من خسارة "اليمين المسيحي" أو محاولة استفزاز الفاتيكان الذي قد يكلفه ثمنا باهظا يفوق كلفة مئات الأطفال الذين قُتلوا بأيدي الجيش الإسرائيلي في لبنان وغزة، ما دامت تلك الجرائم تقع بعيدا عن مراكز التأثير الدبلوماسي التي تهتز لأجل الرموز ولا تتحرك لأجل البشر.
