في تحرك دولي يهدف إلى ضمان حرية الملاحة في منطقة حيوية للتجارة العالمية، تتجه الأنظار إلى الجهود الفرنسية والبريطانية المشتركة، وذلك في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتأثيرها المحتمل على إمدادات الطاقة، وبينما تتبنى بعض الأطراف مواقف متشددة، تسعى باريس ولندن إلى حل سلمي يضمن استقرار المنطقة.
وعلى الرغم من تأييد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض حصار على السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو المغادرة منها، فقد التزم قادة ومسؤولون عالميون آخرون مواقف حذرة، بمن فيهم حلفاء الولايات المتحدة، وبين هؤلاء الحلفاء دول داخل حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي ومنظومة الأعين الخمس، وأظهرت هذه المواقف الحذرة أن مبادرة ترمب قد أحرجت وأربكت حلفاء بلاده.
وبعد الدعوات المتكررة إلى تحرير الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، جراء ما وصف بالتدابير القسرية الإيرانية، تبنى ترمب سياسة مغايرة، وسرعان ما ظهرت نتائجها العملية، وعادت أسعار النفط والغاز إلى الارتفاع، مما أثار مخاوف عالمية من تفاقم أزمة الطاقة، ويبقى تصور التطورات الميدانية والجيوسياسية المترتبة على ذلك غير واضح.
إرباك أوروبي ومساع للتهدئة
وبدا الإرباك واضحا لدى الاتحاد الأوروبي، وتجلى ذلك في ما وصف بأنه لاموقف من قرار ترمب، وبرز هذا الإرباك في تصريح أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، التي نبهت إلى أن الإغلاق المستمر لمضيق هرمز يسبب أضرارا كبيرة، وأن استعادة حرية الملاحة ذات أهمية قصوى.
وأكدت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، على أمرين، الأول هو ضرورة إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة مجددا، والثاني هو ضرورة إبقاء باب الوساطة مفتوحا لمعالجة الأسباب الجذرية للنزاع، بالتوازي مع الحاجة إلى تجنب مزيد من التصعيد والذهاب نحو حلول دبلوماسية، وأضافت كالاس أن الاتحاد الأوروبي يدعم جهود الوساطة من أجل حل النزاع.
وينسحب الأمر نفسه على فريدريتش ميرتس، المستشار الألماني، الذي تجاهل تماما مستجدات مضيق هرمز، مكتفيا بالقول إنه لم يفاجأ بفشل محادثات إسلام آباد، لأنه منذ البداية لم يكن لديه انطباع بأنها كانت محضرة بشكل جيد فعلا، وفي المقابل كشف ميرتس عن مجموعة من التدابير للتخفيف من تبعات ارتفاع أسعار الطاقة على مواطنيه وشركاتهم.
موقف بريطاني واضح وتحرك فرنسي
ومن بين كل المسؤولين الأوروبيين، انفرد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بالتعبير عن مواقف واضحة وقاطعة، وعلى الرغم من قرب بلاده من واشنطن، فقد أكد ستارمر أن لندن لا تدعم الحصار الأميركي الذي تنوي واشنطن فرضه على الموانئ الإيرانية، وأنها لن تنجر إلى الحرب.
ووفق ستارمر، فإنه من الحيوي أن نعيد فتح المضيق بشكل كامل، وهذا هو المجال الذي ركزنا عليه كل جهودنا في الفترة الأخيرة، وسنواصل ذلك، وجاء حرصه على النأي ببريطانيا عن خطة ترمب بعد أن أعلن الأخير أن لندن وعدت بإرسال كاسحات ألغام إلى المضيق، وأعلنت لندن مؤخرا أنها قد تساعد في إزالة الألغام من الممر المائي، ولكن فقط بعد توقف القتال، وهي النقطة التي تجاهلها ترمب، وفي أي حال فقد أكد ستارمر أن كل القدرات العسكرية البريطانية موجهة من جانبنا نحو إعادة فتح المضيق بالكامل.
وحقيقة الأمر أن خيار ترمب بالنسبة إلى مضيق هرمز أطاح الخطط الأوروبية، وتحديدا الفرنسية البريطانية التي يجري العمل عليها منذ أسابيع، وعنوانها تشكيل مجموعة تدخل متعددة الجنسية وأوروبية الطابع، من أجل مواكبة السفن المارة عبر مضيق هرمز، ولكن بعد أن تتوقف الأعمال الحربية.
مؤتمر دولي ومهمة سلمية
ولهذا الغرض، جرى اتصال هاتفي بين ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وقد اكتفى مكتب الأول بالإشارة إلى أن المسؤولين يتفقان على الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة، ولكن ماكرون أوضح في تغريدة على منصة إكس أن فرنسا وبريطانيا ستنظمان، خلال الأيام القليلة المقبلة، مؤتمرا مع الدول المستعدة للمساهمة إلى جانبنا من أجل إطلاق مهمة متعددة الجنسية ذات طابع سلمي تهدف إلى استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، وستكون هذه المهمة ذات طابع دفاعي بحت ومستقلة عن أطراف النزاع، على أن تنشر عندما تسمح الظروف.
وشدد ماكرون على أنه ينبغي عدم ادخار أي جهد من أجل التوصل بسرعة إلى تسوية قوية ودائمة للنزاع في الشرق الأوسط عبر المسار الدبلوماسي، تسوية تمكن من إرساء إطار متين يسمح للجميع بالعيش في سلام وأمن، وفي نظره تتعين معالجة كل القضايا الجوهرية، وإيجاد حلول مستدامة لها، سواء أتعلق الأمر بالأنشطة النووية والباليستية لإيران، أم بأعمالها المزعزعة للاستقرار في المنطقة، وكذلك من أجل السماح باستئناف الملاحة الحرة ودون عوائق في مضيق هرمز بأقرب وقت ممكن.
واللافت أن ماكرون لم يتناول مباشرة مبادرة ترمب، ورغم تغير الظروف، فإن باريس ولندن متمسكتان بالمهمة التي يريدان لها أن تكون بعيدة عما تقوم به القوات الأميركية في المنطقة، وسبق لهما أن أكدتا، قبل أن يطرح موضوع الحصار، أن المهمة الدفاعية المذكورة، أي مواكبة السفن، ستجري بالتفاهم مع طهران وبعد انتهاء الحرب أو العمليات العسكرية الكبرى، وعلى هذا الأساس عقدت اجتماعات عسكرية ودبلوماسية متنقلة عدة بين باريس ولندن بحضور ما لا يقل عن 35 دولة أوروبية وغير أوروبية للتعرف على الدول المستعدة للمساهمة فيها، إن كان عسكريا أم لوجستيا أم تمويليا، ووفق باريس فإنها ستكون على غرار مهمة أسبيدس الأوروبية التي أطلقت في عام 2023 لتأمين إبحار السفن في البحر الأحمر بين باب المندب وقناة السويس، ونجحت هذه المهمة في ضمان سلامة ما لا يقل عن 600 سفينة.
غير أن ترمب، بمبادرته، قلب الأمور رأسا على عقب، وفق توصيف مصدر أوروبي في باريس، ومن هنا جاء استعجال ماكرون وستارمر في الدعوة إلى اجتماع قمة عاجل لإعادة تعريف المهمة متعددة الجنسية وظروف عملها، خصوصا أن الأوضاع في المضيق والخليج بشكل عام مرشحة لأن تشهد تصعيدا كبيرا، وتقوم المقاربة الأوروبية على الامتناع عن دعم الحصار، وتفضيل العمل الدبلوماسي، والتخوف من تصعيد عسكري كبير تكون له تبعات اقتصادية تفاقم انعكاساته على اقتصاداتهم.
