في مخيمات النزوح بقطاع غزة، تحول الخوف إلى رفيق دائم، فبعد ويلات الحرب والدمار، يواجه السكان خطرًا من نوع آخر، خطر القوارض التي غزت خيامهم ومساكنهم المؤقتة، ففي مخيم الجوازات وسط مدينة غزة، لم يتوقع الطفل نوح الخور ذو العشرة أعوام أن تتحول لحظة لعبه القصيرة مع أصدقائه إلى كابوس مرعب، حيث تسلل جرذ كبير من أسفل بنطاله وصعد حتى وصل إلى بطنه.
يقول نوح وهو يضم قدميه: "أمسكت به ورميته بعيدًا، ثم سقطت أرضًا وبدأت أزحف نحو الخيمة وأنا أصرخ"، واضاف أنه عندما وصل إلى الخيمة، انتابه تشنج شديد من الخوف سيطر على كل جسده.
ومنذ تلك الليلة، يتجنب نوح مغادرة خيمته بعد غروب الشمس، ويلازم والدته، مبينا أن أقصى ما يفتقده اليوم هو بيته وسريره الذي كان ينام عليه بأمان دون أن يهدده شيء.
القوارض تقتحم موائد الطعام
أما والدة نوح، التي كانت قد تخلصت قبل قليل من وعاء حساء بعدما وجدت فأرا يدس رأسه فيه، فتقول: إن رؤية القوارض أصبحت أمرًا معتادًا في المخيم وجزءًا من حياة السكان اليومية.
واضافت متسائلة بمرارة: "القوارض لا تتوقف عن الدخول والخروج، أجدها تقفز على الوسائد وتخرج من كل مكان، كيف يمكن لي أن أحمي أطفالي؟ هل يمكنني أن أضع بابا للخيمة؟".
وتقوم أم نوح بخياطة ما تمزق من القماش قطعة بعد أخرى، وتسد الفتحات بالحجارة، وتغلق الخيمة على نفسها وأطفالها باكرًا، كأنها تستعد لصد هجوم محتمل في كل لحظة.
صراع مستمر مع القوارض
وبينما يلتصق نوح بوالدته كل مساء، يعيش أشرف أبو الخير حالة يقظة مستمرة طوال الليل، وحالة من الضغط الجسدي والنفسي المستمرين، حيث يقضي ليله في سباق مع القوارض خوفًا على طفليه.
ويقوم أشرف بإغلاق الجحور التي تخرج منها القوارض ويغطي الطحين ويسد كل فتحات الخيمة، لكنه يعلم أن الفئران لا تتوقف عن البحث عن أي منفذ.
يقول أشرف: "تخرج من جحور في الأرض، وإذا نمت حتى للحظة تستيقظ زوجتي، حتى لا نغفل عن طفلينا، إنها معركة ليلية مستمرة".
عضة قاتلة تهدد الحياة
وبينما يسهر أشرف على حماية طفليه من القوارض، كانت أم يحيى الأشقر تعيش تجربة أخرى لا تقل رعبًا، فبعد توقف الحرب وانسحاب الاحتلال من منطقة سكنها، نصبت خيمتها على أنقاض منزلها في حي اليرموك، مع ابنها يحيى البالغ من العمر 13 عامًا والمصاب بمرض السكري المزمن.
وخلال أسابيع قليلة عاشاها في الخيمة، مر الطفل بحالة من الرعب المستمر وصلت إلى نوبات هلع وأرق دائم وتأتأة في النطق، بينما كانت القوارض تتسلل حولهما بلا هوادة.
تقول أم يحيى: "كنت أخاف عليه من كل حركة، لأنه قد لا يشعر بعضة فأرة، وأي جرح صغير قد يتفاقم سريعًا بسبب مرضه، لذلك اضطررت لاستئجار منزل صغير رغم عدم قدرتي المالية، لكنني كنت مستعدة أن لا آكل لأضمن له بيئة آمنة".
وفي المنزل الجديد، تحاول أن تمنح ابنها استقرارًا تدريجيًّا بعد الصدمة التي عاشها في الخيمة، محاولة أن يشفى من آثار الخوف والقلق المستمرين اللذين تركتهما القوارض في حياته.
بيئة مثالية لتكاثر القوارض
ويصف مدير الطب الوقائي في وزارة الصحة أيمن أبو رحمة الوضع بأنه "مكرهة صحية" يعيشها قطاع غزة، أدت إلى انتشار القوارض بشكل غير مسبوق، ويعزو أبو رحمة ظاهرة انتشار القوارض إلى 3 أسباب رئيسية: تراكم النفايات وتدمير البنية التحتية للصرف الصحي ووجود الأنقاض والجثث المتحللة تحت الركام.
ويوضح أبو رحمة أن تزايدًا مطردًا لوحظ في أعداد الحالات التي تصل إلى أقسام الطوارئ وعيادات الرعاية الأولية، خاصة بين الأطفال والمسنّين، حيث يتعرضون لعضّات تتسبب في جروح عميقة والتهابات، مبينا أن الأكثر تأثرًا هم أصحاب الأمراض المزمنة كمرض السكري، لأنهم قد لا يشعرون بها، وهذا قد يؤدي لقضم العضو دون الإحساس الطبيعي بالألم، فضلا عن صعوبة التئام جروحهم.
واضاف المسؤول بوزارة الصحة أن "القوارض تنقل أيضًا بعض الأمراض عن طريق البول وفضلاتها، وقد تتسبب بحمى وأعراض غير واضحة، مما يزيد من تعقيد الرعاية الصحية".
مكبات النفايات ملاذ القوارض
ويواصل الاحتلال منع إدخال مادة "الرطريم" السامة التي كانت تُستخدَم في مكافحة القوارض، بينما تتواصل دون جدوى محاولات إيجاد مادة سامة بديلة، كما تتفاقم مشكلة في معالجة النفايات، وفق مسؤولين في بلدية غزة.
ويقول رئيس قسم جمع وترحيل النفايات في البلدية محمد العشي: إن مكب النفايات الأساسي الحالي يحوي قرابة 300 ألف كوب من النفايات، "الأمر الذي جعله بيئة خصبة لتكاثر القوارض، خاصة أنه يقع في وسط المدينة المكتظ".
ويشير العشي إلى أن البلدية بدأت ترحيل النفايات حاليا إلى مكب آخر وسط القطاع حيث الكثافة السكانية محدودة، بعد أن أصبح الوصول إلى المكب الرئيسي السابق في منطقة جحر الديك الواقع على الحدود الشرقية للقطاع غير آمن، مشيرا في الوقت ذاته إلى مساع لتحويل جزء من النفايات إلى سماد عضوي كحل لمشكلة توقف إدخاله منذ بداية الحرب.
وقال العشي: إن الحلول المثالية التي كانت تعتمدها البلدية مثل الطمر الصحي أو معالجة النفايات شبه مستحيلة حاليا مع انعدام الإمكانيات، خاصة مع تدمير 80% من أسطول البلدية خلال الإبادة.
8500 جثمان متحلل تحت الأنقاض
وبدوره يوضح مدير دائرة الصرف الصحي في البلدية محمد الإمام أن مجاري شبكات الصرف تعتبر مكانا لتزاوج وتكاثر القوارض، وأن تدميرها من قبل الاحتلال أدى إلى فتحها وجعل خروج ودخول القوارض منها سهلا.
ولفت إمام إلى أن محاولات إغلاقها تتم باستخدام ألواح الزنك أو البلاط أو الإسمنت المنتهي الصلاحية، فلا يؤدي ذلك إلى حل المشكلة إلا بشكل مؤقت.
ووفق الناطق باسم الدفاع المدني محمود بصل فإن قرابة 8500 جثمان متحلل لا تزال تحت أنقاض المنازل، مما يجعل الركام مصدر خطر مباشر يسهم في انتشار القوارض والأمراض.
وبينما تتزايد المطالبات من وزارة الصحة والبلديات ودوائر الحكم المحلي للمؤسسات الدولية بالضغط على الاحتلال لتسهيل إدخال المواد والمعدات اللازمة، يرزح الغزاويون تحت وطأة حرب صامتة تظهر اليوم على شكل اجتياح القوارض الذي يقض مضاجعهم ويزيد القلق مع اقتراب فصل الصيف.
