قال الباحث الاقتصادي المتخصص في شؤون الطاقة، عامر الشوبكي، إن الأسواق استقبلت إعلان الهدنة الأميركية الإيرانية لمدة أسبوعين وبداية المحادثات المباشرة بارتياح واضح وفوري، وهذا الارتياح يُقرأ بحذر، مشيراً إلى أن الأسواق تحولت بسرعة من تسعير "سيناريو الانقطاع الكامل" إلى تسعير "هدنة هشة"، وهو ما يفسر تراجع أسعار النفط إلى ما دون 100 دولار، وهبوط برنت بنحو 13% إلى 16%، مبينا أن السيولة عادت تدريجياً إلى الأسواق المالية، مع إعادة المحافظ الاستثمارية بناء مراكزها بشكل انتقائي وحذر.
وأشار الشوبكي إلى أن التحسن السريع في الأسعار جاء نتيجة عاملين رئيسيين، الأول إزالة الخوف الفوري من إغلاق مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط والغاز العالمية، والعامل الثاني يتمثل في الإفراج المحتمل عن كميات ضخمة من الإمدادات كانت محتجزة في البحر، وهذه الكميات تقدر بنحو 130 مليون برميل من النفط الخام و46 مليون برميل من المنتجات المكررة، إضافة إلى 1.3 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال، موضحاً أن هذا التدفق المفاجئ خلق انفراجاً لحظياً في الأسعار.
ضغوط مستمرة على الأسواق الفعلية
وأوضح الشوبكي أن هذا الانفراج لا يعكس عودة التوازن الحقيقي، وأضاف أن السوق الورقية هدأت بينما السوق الفعلية ما زالت تحت ضغط قيود هيكلية، مشيراً إلى أن إخراج الشحنات من الخليج خطوة أولى، بينما إعادة الثقة لشركات الشحن والتأمين تمثل خطوة أكثر تعقيداً، مع استمرار المخاطر الأمنية وعدم وضوح صلابة الهدنة.
وأشار إلى أن إعلان قطر للطاقة عن خروج نحو 17% من طاقتها على تسييل الغاز الطبيعي المسال يشكل فجوة حقيقية في سوق الغاز العالمي، وهذه الكميات لن تُستبدل بسهولة، وسيأتي جزء من التعويض عبر الفحم والديزل، ما يعني استمرار الضغط على أسواق الطاقة.
الأسواق والسلع المرتبطة بالطاقة
وبين الشوبكي أن بقية دول الخليج لم تعلن الصورة الكاملة لحجم الأضرار أو الجداول الزمنية للإصلاح، وأوضح أن إعادة تشغيل الحقول والمنشآت عملية تقنية معقدة وقد تستغرق أسابيع أو أشهر بحسب حجم الأضرار والقدرة الفنية على الإصلاح، مضيفاً أن جزءاً من الإمدادات سيبقى خارج السوق حتى مع استقرار الهدنة، ما يفسر بقاء الأسعار الفعلية مرتفعة في بعض الأسواق رغم تراجع العقود الآجلة.
وأشار إلى أن انعكاس الانفراج المؤقت ظهر على أسعار الحبوب، حيث تراجع القمح إلى نحو 5.81 دولار للبوشل، وانخفضت الذرة وفول الصويا نتيجة توقعات بانخفاض تكاليف الطاقة والأسمدة، وهذه التراجعات مرتبطة باستمرار الهدنة وليست نتيجة تحسن جذري في سلاسل الإمداد.
تقييم الوضع الاقتصادي العالمي
وأوضح الشوبكي أن الهدنة منحت العالم فترة تنفس مع تراجع الضغوط التضخمية وعودة الحديث عن إمكانية تخفيف السياسات النقدية، والبنوك المركزية لن تغيّر مسارها سريعاً لأن المخاطر الجيوسياسية أصبحت العامل الأكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي، مشيرا إلى أن اقتصادات الخليج أظهرت مرونة واضحة مدعومة بقطاع مصرفي قوي يتيح امتصاص الصدمات ودعم الثقة في الأسواق المالية.
وقال الشوبكي إن علاوة المخاطر لم تختفِ بالكامل، والأسواق اليوم تعيش حالة انتقالية، والهدوء في الأسعار لا يعني استقراراً كاملاً، بل هو توازن هش يعتمد بشكل كامل على ما إذا كانت هذه الهدنة ستتحول إلى مسار سياسي مستدام، أم مجرد استراحة قصيرة في أزمة طاقة عالمية لم تنته بعد.
