تعود الجزر التي تسيطر عليها ايران والمنتشرة شمال الخليج العربي وعند مدخل مضيق هرمز الى صدارة المشهد في الحسابات العسكرية المباشرة، وذلك بعدما ظهرت في تقديرات امريكية واسرائيلية كاهداف محتملة تجمع بين النفط والملاحة وقضايا الردع.
ومع قرب انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الامريكي لاعادة فتح مضيق هرمز، وتزايد التهديدات باستهداف البنية التحتية الحيوية داخل ايران، تكتسب هذه الجزر اهمية اضافية، اذ تعتبر نقاطا مرشحة للدخول في مرحلة جديدة من الصراع، وقد يتجاوز ذلك الضغط العسكري التقليدي الى محاولة لضرب مفاصل الطاقة والعبور والتموضع الاستراتيجي، وفي قلب هذه الخريطة تقع جزيرة خرج والتي تعتبر شريان الصادرات النفطية، بينما تتوزع وظائف التحكم بالعبور والتحصين العسكري والتموضع المتقدم على الجزر الأخرى في واحد من اكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.
وتحتل جزيرة خرج موقعا استراتيجيا مهما في البنية الايرانية، فهي شريان الحياة لغالبية صادرات الخام الايراني، وتقع في شمال الخليج على بعد حوالي 30 كيلومترا من الساحل الايراني، الامر الذي يجعلها قريبة بما يكفي من البر الايراني لتبقى تحت حماية نيرانه وقدراته الصاروخية.
اهمية استراتيجية واقتصادية لجزر الخليج
وتنبع اهمية جزيرة خرج اولا من وظيفتها الاقتصادية المباشرة، فالجزيرة تضم المحطة التي تمر عبرها تقريبا كل صادرات ايران النفطية، وتؤمن الجزء الاكبر من ايرادات الدولة من الخام.
واضافت التقارير انه خلال الحرب الجارية، تحولت خرج سريعا الى هدف حاضر في النقاشات العسكرية، باعتبار ان ضربها يطال واحدا من اهم مصادر تمويل الدولة.
وبينت التقارير ان الجزيرة تطورت خلال طفرة النفط الايرانية في الستينات والسبعينات، لان اجزاء واسعة من الساحل الايراني كانت ضحلة ولا تسمح برسو ناقلات النفط العملاقة، ومن هنا اصبحت الجزيرة بمرافئها ومحطاتها العميقة البوابة الاهم لتصدير النفط الايراني، وخاصة الى الاسواق الاسيوية.
واكدت التقارير انه نظريا، فان اي سيطرة امريكية قد تخنق شريانا ماليا حيويا للنظام، وتمنح واشنطن ورقة ضغط لاجبار طهران على ابقاء مضيق هرمز مفتوحا، كما ان الجزيرة بحكم موقعها قد تتحول في مثل هذا السيناريو الى منصة متقدمة للضغط العسكري على البر الايراني.
تحديات السيطرة على الجزر
لكن هذا الاغراء يصطدم بعوائق كبيرة، فالاستيلاء يتطلب تثبيت قوات امريكية على جزيرة صغيرة قريبة جدا من الساحل الايراني، اي داخل مدى الطائرات والصواريخ والمدفعية الايرانية، واحتمال استخدام الالغام والزوارق السريعة، وبذلك قد تتحول القوة المهاجمة سريعا الى هدف ثابت ومعرض للاستنزاف.
واضافت التقارير انه يتطلب الاحتفاظ بالجزيرة بعد دخول القوات اليها غطاء جويا دائما، ومنظومات دفاع جوي متقدمة وخطوط امداد محمية بحرا وجوا، وزادت طهران من تحصيناتها في خرج خلال الاسابيع الاخيرة، مع ارسال عناصر اضافيين ونشر وسائل دفاع جوي، الى جانب الحديث عن الغام في محيط الجزيرة.
كما لوحت باستهداف القوات الامريكية اذا حاولت دخول الجزيرة، وبضرب بنى الطاقة التابعة لشركات تتعامل مع الولايات المتحدة اذا جرى استهداف منشآتها النفطية.
وتضم الجزيرة خزانات تخزين ومساكن لالاف العمال وفيها حضور مدني واضح، كما تحتوي حصنا برتغاليا قديما واطلال دير مسيحي مبكر في الخليج.
لارك.. عقدة العبور والرقابة البحرية
تبدو جزيرة لارك الصغيرة الاكثر ارتباطا بالمرور والتحكم بالعبور في مضيق هرمز نظرا لموقعها الجغرافي، فهي تقع الى الشرق من قشم وجنوب هرمز، وتحتل موقعا شديد الحساسية عند اضيق مسافة في المضيق، وهو ما يمنحها قيمة تتجاوز حجمها الجغرافي، لانها ترتبط مباشرة بحركة السفن في واحد من اهم الممرات البحرية في العالم.
وتظهر لارك كموقع رئيسي لتصدير النفط منذ اواخر الثمانينات، كما تضم قاعدة عسكرية ايرانية، غير ان اهميتها في الحرب الحالية ترتبط اساسا بوظيفتها على خط الملاحة، فهي تقع على مسار ملاحي يرجح ان الحرس الثوري خصصه للسفن التي يجيز لها عبور مضيق هرمز.
كما تقع لارك قبالة ميناء بندر عباس، في منطقة تمر عبرها ناقلات النفط الحالية للتفتيش او المراقبة، وهذه الوظيفة تجعلها هدفا منطقيا في اي محاولة لضرب قدرة ايران على فرض سيطرة ميدانية على هرمز دون الاضطرار الى خوض مأزق خرج.
قشم.. عمق استراتيجي ولوجستي
تحتل قشم موقعا مختلفا داخل هذه الخريطة، فهي كبرى جزر الخليج وتمتد على نحو 100 كيلومتر في مضيق هرمز، وتضم كتلة سكانية كبيرة نسبيا، وتظهر من زاويتين متداخلتين: زاوية مدنية خدمية وزاوية استراتيجية لوجستية.
ومن الناحية المدنية توصف قشم بانها وجهة مفضلة للايرانيين بفضل شواطئها وتراثها الجيولوجي واجوائها الاجتماعية، كما انها تضم محطة لتحلية المياه توفر المياه لعشرات القرى.
ولا تعد جزيرة قشم هامشية في الحسابات العسكرية نظرا الى قربها من جزيرة لارك وهرمز وعلى تماس مباشر مع الممر البحري الحيوي، ويعد ميناؤها احد المنافذ الرئيسية للمنتجات الاتية من الامارات، مما يمنحها وزنا لوجستيا وتجاريا الى جانب موقعها الاستراتيجي، كما تطرح قشم ايضا كموقع يشتبه في احتضانه منشآت صاروخية تحت الارض.
ابو موسى.. حصن متقدم في هرمز
ترد ابو موسى ضمن الجزر الاماراتية المحتلة، ويجعلها الموقع الحساس جزءا من الحزام الذي يحرس مدخل مضيق هرمز من الجهة الغربية، وهذا يمنحها قيمة عملياتية مباشرة في اي مواجهة مرتبطة بحرية الملاحة او امن الشحنات النفطية.
وتدرج الجزيرة في توصيفات الخبراء ضمن مواقع محصنة اقرب الى حصون صغيرة تنتشر فيها صواريخ مضادة للسفن.
وتعزز هذه الصورة الاشارة الى ان طهران نشرت في هذه الجزر وحدات من بحرية الحرس الثوري مزودة بانظمة صاروخية جديدة قادرة على استهداف القواعد والسفن والمعدات المعادية في دول الجوار، وبذلك تصبح ابو موسى في منطق الحرب اكثر من موقع تحتله ايران، انها موضع تمركز متقدم داخل بنية الردع البحري الايراني.
وتكتسب طنب الكبرى اهمية مشابهة لابو موسى، فهي من الجزر التي احتلتها القوات الايرانية في نوفمبر 1971، وتحظى الجزيرة الصغيرة باهمية بالغة نظرا الى تموضع القوات الايرانية ولاجراء مناورات عسكرية ولنشر الحاميات والاصول الصاروخية.
وفي حال السيطرة على مثل هذه الجزر فان ذلك قد يحرم ايران من استخدامها لاغراض هجومية ضد الملاحة البحرية، وهذه الفكرة تكشف عن المنطق الذي يجعلها في بنك الاهداف المحتمل، فالهدف ليس احتلال ارض فقط بل شل نقطة متقدمة من نقاط التهديد البحري الايراني.
ورغم صغرها تدخل طنب الصغرى في المنظومة نفسها التي تضم ابو موسى وطنب الكبرى، اذ ان وجودها قرب مدخل هرمز يمنحها قيمة عسكرية واضحة، فهي تضم منشآت عسكرية هجومية لبحرية الحرس الثوري، وقد تحمل في الحسابات العسكرية وزنا يفوق حجمها كثيرا نظرا الى قربها من ممرات السفن الوافدة الى الخليج.
سيري.. جزيرة بوظيفة عسكرية بحتة
تظهر سيري بقدر اقل من التفصيل مقارنة بخرج او قشم او الجزر الاماراتية المحتلة الثلاث، لكن تذكر ضمن الجزر التي تحولت الى مواقع محصنة اقرب الى حصون صغيرة تنتشر فيها صواريخ مضادة للسفن للحرس الثوري، ولطالما كانت موقعا لتدريب قواته البحرية.
وهذا يكفي لوضع سيري داخل الفئة العسكرية الصلبة من الجزر الايرانية، ووصفت على مدى سنوات بانها موقع تحصين وتموضع يندرج في شبكة اوسع للردع والسيطرة على المجال البحري.
وعادت هذه الجزر الى الواجهة لانها تختصر اربع معادلات في ان واحد: النفط والملاحة والسيادة والردع، فمن يريد الضغط على ايران اقتصاديا ينظر الى خرج، ومن يريد كسر قبضتها على العبور ينظر الى لارك والجزر القريبة من هرمز، ومن يريد تقليص قدرتها على تهديد السفن والقواعد ينظر الى الحزام المحصن الذي يضم ابو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى وسيري.
