في غزة، ومع كل صباح، تبدأ محطة "عبد السلام ياسين" لتحلية المياه عملها بحذر شديد، وهذه المرة ليس نقص الوقود فحسب هو ما يقلق العاملين، بل أزمة غير متوقعة تلوح في الأفق وهي شح زيوت المحركات ونفاد قطع الغيار.

هذا المرفق الحيوي، الذي يعتبر أساسيا لتحلية المياه في قطاع غزة، لم يعد تشغيل مولداته مجرد إجراء تقني، بل تحول إلى مغامرة يومية بين الرغبة في استمرار العمل والخوف من فقدان القدرة التشغيلية بشكل كامل.

منذ بداية الحرب على قطاع غزة في أكتوبر الماضي، يفرض الاحتلال الإسرائيلي قيودا صارمة على دخول العديد من السلع، بما في ذلك زيوت المحركات الصناعية وقطع الغيار، مما يهدد بتوقف معظم جوانب الحياة، بما في ذلك خدمات المياه والصرف الصحي والمخابز والنقل وتشغيل المشاريع الصغيرة وإنارة المنازل.

تآكل في الإنتاج وتقلص في الإمداد

بسبب النقص الحاد وعدم توفر الزيوت في الأسواق، ارتفع سعر لتر الزيت الصناعي من حوالي 50 شيكلا قبل الحرب إلى 800 شيكل اليوم، كما أن قطع الغيار غير متوفرة بشكل كامل، مما يضطر أصحاب المشاريع إلى شراء آلات معطلة وتفكيكها للحصول على بعض القطع لإصلاح آلاتهم.

منذ أسابيع، يكافح فرع محطة عبد السلام ياسين في شمال قطاع غزة للبقاء بنصف قوته بعد تعطل أحد مولداته الرئيسية، أما المولد المتبقي فيعمل تحت ضغط شديد وبأقل قدر من الصيانة، فتغيير الزيت، الذي كان يتم كل 40 يوما، أصبح اليوم ترفا لا يستطيع الفنيون تحمله، مما يعرض المولد للخطر.

هذا التدهور التدريجي في قلب نظام الإنتاج لم يبق محصورا في ساحة المولدات، بل تحول إلى واقع مرير، حيث تراجع الإنتاج وانخفضت كميات المياه المحلاة بنسبة تصل إلى 40%.

قلة الزيت كخطر الحرب

كما انحسرت قدرة المحطة على الوفاء بالتزاماتها تجاه المؤسسات الدولية والخيرية، مما أدى إلى قطع الإمدادات عن آلاف العائلات التي تعتمد عليها.

ورغم أن المحطة واصلت عملها طوال أكثر من عامين من الحرب، بكل ما شهدته من قصف ونقص في الوقود وضغوط تشغيلية قاسية، إلا أن الخطر اليوم يبدو أكثر تهديدا، فمع غياب الزيوت الصناعية وقطع الغيار، لم يعد استمرار العمل مضمونا.

يقول حمزة ياسين، أحد مديري المحطة، إنهم تمكنوا من الصمود في أصعب الظروف، ولكنهم اليوم قد يتوقفون ليس بسبب القصف أو نقص الوقود، بل لأن ما يحافظ على حياة المحرك لم يعد متوفرا، وأضاف أن زيت المحرك ليس أمرا ثانويا، بل هو أساس التشغيل ولا يقل أهمية عن الوقود، وبدونه يصبح توقف المولدات وبالتالي توقف المياه مسألة وقت فقط.

الأزمة تمتد إلى الطرقات

لم تقتصر الأزمة على جدران محطة التحلية، فشاحنات توزيع المياه التابعة لها تواجه نفس المصير القاتم، وكانت المحطة تشغل 19 مركبة في شمال القطاع، ثم تم تقليل حركة بعضها أو إيقافها تماما خشية حدوث أعطال ميكانيكية لا يمكن إصلاحها، مما أوجد حلقة مفرغة من العجز، فالمياه التي تنجح المحطة في إنتاجها بصعوبة بالغة لا تجد ما يكفي من الشاحنات لنقلها.

وتتسع الأزمة لتشمل حركة النقل المحدودة في القطاع، حيث تواجه السيارات التي نجت من الحرب خطر التوقف عن العمل لنفس السبب، مما سيؤدي إلى توقفها وبالتالي زيادة معاناة المواطنين.

في السياق ذاته، حذرت مصلحة مياه بلديات الساحل، المسؤولة عن إدارة وتشغيل قطاع المياه والصرف الصحي في عدد كبير من بلديات قطاع غزة، من أن استمرار النقص الحاد في زيوت التشحيم وقطع الغيار يعرض المنظومة المائية بأكملها لخطر الانهيار التدريجي.

واوضحت المصلحة في بيان صدر السبت الماضي، أن البنية التحتية للمياه، بما في ذلك الآبار ومحطات التحلية ومحطات ضخ المياه العادمة، تعمل منذ انقطاع التيار الكهربائي الكامل في أكتوبر الماضي بالاعتماد الكامل على مولدات الكهرباء التي تعرضت خلال هذه الفترة لاستخدام مكثف يفوق طاقتها التشغيلية في ظل غياب الصيانة الدورية الكافية.

المخابز في مرمى أزمة الزيوت

لا تتوقف تداعيات نقص الزيوت الصناعية عند قطاع المياه، بل تمتد لتشمل قطاع الغذاء في قطاع غزة، حيث تواجه المخابز اليوم خطر التوقف القسري، ففي بيئة تعتمد كليا على المولدات الكهربائية لتشغيل خطوط الإنتاج، أصبح استمرار العمل يعتمد على توفر زيت المحركات.

ويحذر رئيس جمعية أصحاب المخابز، عبد الناصر العجرمي، من احتمال توقف عمل المخابز في حال استمر منع دخول الزيوت الصناعية إلى القطاع، ويقول العجرمي إن انقطاع الكهرباء منذ بداية الحرب وعدم توفر قطع الغيار دفع المخبز الواحد إلى استخدام عدة مولدات للكهرباء، قد يصل عددها إلى أربعة، تعمل لساعات طويلة دون توقف لإنتاج الخبز للمواطنين.

ويشير إلى أن مولدات الكهرباء تحتاج إلى ثلاثة عناصر أساسية للبقاء: الصيانة الدورية وقطع الغيار وزيوت التشغيل، وهي عناصر أصبحت مفقودة تماما، موضحا أنه مع استمرار التشغيل في ظل هذه الظروف القاسية، تتسارع وتيرة الأعطال الميكانيكية، ليصبح أي عطل بسيط كفيلا بإخراج المخبز بكل خطوطه عن الخدمة نهائيا.

ويقدر العجرمي أن المهلة المتبقية قبل توقف عمل المخابز لا تزيد عن شهر واحد على الأكثر، ما لم يتم إدخال الزيوت الصناعية بشكل عاجل.

المستشفيات في دائرة الخطر

وفي السياق ذاته، يحذر إسماعيل الثوابتة، المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي، من أن القيود المفروضة على إدخال الزيوت الصناعية وقطع الغيار لم تعد مسألة لوجستية، بل أصبحت تهديدا مباشرا لحياة السكان مع اقتراب مولدات الكهرباء في المرافق الحيوية من التوقف.

ويشير إلى أن المستشفيات، التي تعتمد بشكل شبه كامل على المولدات في ظل غياب الكهرباء، تواجه خطرا حقيقيا مع استمرار تشغيلها دون صيانة كافية أو زيوت مناسبة، وأضاف أن تعطل هذه المولدات لا يعني انقطاعا مؤقتا للكهرباء، بل توقفا محتملا لأقسام حيوية مثل العناية المركزة وغرف العمليات وغرف غسيل الكلى، مما سيكون له تداعيات خطيرة على حياة المرضى.

ويحذر المسؤول الفلسطيني من أن استمرار القيود الإسرائيلية يعجل بانهيار نظام الخدمات الأساسية في القطاع في ظل غياب أي بدائل، داعيا إلى تدخل عاجل يضمن إدخال هذه المواد الحيوية قبل الوصول إلى نقطة توقف شاملة يصعب تداركها.

توقف المحركات.. ظلام وشيك

لا يقتصر تأثير هذه الأزمة على المياه والصرف الصحي والخبز والمستشفيات والنقل، بل يمتد أيضا إلى مصدر آخر أصبح جزءا ثابتا من الحياة اليومية في غزة، وهي شركات توليد الكهرباء الخاصة التي تتولى إنارة المنازل وتشغيل المشاريع الصغيرة من خلال اشتراكات شهرية في ظل غياب الكهرباء العامة.

وأصبحت هذه المولدات بديلا عن شبكة الكهرباء الرسمية، وترتبط بها الحياة اليومية للسكان بشكل كامل تقريبا، وفقا لأصحاب هذه المولدات الذين يقولون إن مولداتهم على وشك التوقف عن العمل أيضا إذا استمرت أزمة نقص الزيوت الصناعية وقطع الغيار.

وداخل ساحة ضيقة تضم عدة مولدات، يتابع عبد الله الدخاخني، المسؤول في شركة "مولدات وإنارة البابا" في حي تل الهوى جنوب مدينة غزة، عمل محركاته ويهتم بأدق التفاصيل.

يقول الدخاخني إن الخطر لا يأتي فقط من زيادة تشغيل المحركات فوق طاقتها الحقيقية ونقص الوقود، بل من غياب ما يحافظ عليها حية، وهي الزيوت الصناعية وقطع الغيار.

أسعار باهظة

وخلال شهور الحرب، اعتمدت الشركة في الحصول على الزيوت على كميات مخزنة داخل القطاع، أو لجأت إلى حلول استثنائية مثل استخراج الزيوت من مولدات ومحركات متوقفة وإعادة استخدامها.

ويقول الدخاخني إن مولدا واحدا بقدرة 250 كيلوواط يحتاج إلى ما بين 20 و30 لترا من الزيت كل 300 ساعة تشغيل، أي كل نحو 20 يوما، وفي الواقع الحالي لم يعد هذا ممكنا، فشراء 30 لترا فقط أصبح يكلف نحو 24 ألف شيكل بعد أن كان السعر لا يتجاوز 1500 شيكل فقط قبل الحرب، ومع وجود ثلاثة مولدات عاملة، تتحول عملية الصيانة إلى عبء مالي وتشغيلي ثقيل.

وفي الوقت نفسه، فإن تجاهل شركة توليد الكهرباء لعملية تغيير الزيت قد يؤدي إلى تلف المحركات لتنضم إلى نحو 10 محركات أخرى تعطلت خلال الأشهر الماضية.

ولتعويض النقص، تستخدم الشركة أحيانا زيوت محروقة أو مستهلكة جزئيا كحل مؤقت لتأخير الأعطال، على الرغم من إدراكها للمخاطر الكبيرة لذلك، فضعف جودة الزيت أو تآكله قد يؤدي إلى تلف كامل في المحرك.