في تطور مفاجئ هز الساحة السياسية والأمنية، كشفت مصادر مطلعة عن مقتل علي لاريجاني، الشخصية البارزة في النظام الإيراني والمسؤول عن الأمن القومي، وذلك في غارة جوية استهدفته، ويأتي هذا الحادث في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد المخاوف بشأن مستقبل الاستقرار في المنطقة.

واعتبر مراقبون أن لاريجاني كان مهندسا للاستراتيجية العسكرية والدبلوماسية الإيرانية منذ بداية الصراع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وله دور كبير في رسم السياسات التي تتبعها طهران في المنطقة.

وبين محللون أن رحيل لاريجاني يمثل خسارة كبيرة للقيادة الإيرانية، إذ كان يعتبر أحد أبرز الأصوات وأكثرها نفوذا، وقد يعقد أي مفاوضات مستقبلية لإنهاء الصراعات القائمة، واوضحوا أنه في نظر الكثيرين، كان لاريجاني الزعيم الفعلي لإيران في ظل الاضطرابات الأخيرة.

تأثير اغتيال لاريجاني على المشهد السياسي

وقال حميد رضا عزيزي، الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، إن لاريجاني كان شخصية مطلعة على خبايا النظام، وقضى عقودا في قلبه، مما أكسبه مصداقية واسعة لدى مختلف أطياف النخبة.

واضاف عزيزي أن النظام الإيراني قد درب نفسه على تجاوز فقدان الأفراد، ولكن من الصعب تعويض شخصيات ذات خبرات متنوعة مثل لاريجاني.

ولفت عزيزي إلى أن وفاة لاريجاني قد لا يكون لها تأثير فوري على سير الأحداث، لكنها ستعقد إدارة الأزمة سياسيا، نظرا لإلمامه بالخطاب السياسي الإيراني وعلاقاته الدولية.

لاريجاني.. رجل الدولة والمفاوضات الصعبة

ويرى عزيزي أن شخصية مثل الرئيس مسعود بزشكيان، وهو شخصية معتدلة بارزة تم تهميشها إلى حد كبير منذ بداية النزاع، لن تكون قادرة على تشكيل ائتلاف داخل النخبة للتفاوض على إنهاء الحرب، ويؤكد أن الأمر يتطلب شخصية بمكانة لاريجاني، تتمتع بقدرة فريدة على التوفيق بين التيارات المختلفة داخل النظام، لإقناع مختلف الفصائل بالتوصل إلى اتفاق محتمل.

وعلى مدى ما يقارب خمسة عقود، شغل لاريجاني مناصب رئيسية في الحرس الثوري، والمؤسسة الأمنية، والإعلام الرسمي، والبرلمان، مما جعله شخصية محورية في صنع القرار الإيراني.

واشاد المجلس الأعلى للأمن القومي بالمسيرة السياسية الطويلة للاريجاني، واصفا إياه بأنه شخصية عملت حتى آخر لحظات حياتها من أجل تقدم إيران، ودعا إلى الوحدة في مواجهة التهديدات الخارجية.

من الحرس الثوري إلى مفاوض الملف النووي

وبين عزيزي أن هذا النوع من المسيرة نادر نسبيا في إيران، وأن المنصب الوحيد الذي كان ينقصه في سيرته الذاتية هو منصب الرئيس.

واكد عزيزي أن لاريجاني كان قائدا بارعا في دهاليز السياسة المتغيرة للنظام الإيراني، و محافظا براغماتيا قادرا على العمل في مختلف التيارات داخل النظام، مع ولائه التام للجمهورية.

واوضح انه كان قائدا في الحرس الثوري خلال الحرب مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، ثم رئيسا للإذاعة والتلفزيون الرسمي، مما عزز من نفوذه وتأثيره.

تداعيات مقتل لاريجاني على مستقبل الصراع

واضاف انه كان لاريجاني كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين في العقد الأول من القرن، ووصفه دبلوماسيون غربيون تفاوضوا معه بأنه متمرس وذكي، وبعد تعيينه مستشارا له عام 2004، بات يحظى بنفوذ متزايد لدى خامنئي في القضايا الأمنية.

واشار الى انه لمدة 12 عاما حتى عام 2020، شغل منصب رئيس البرلمان الإيراني، مما وسع قاعدة نفوذه، وجعله لاعبا رئيسيا في المشهد السياسي الإيراني.

وفي مقابلة مع شبكة سي إن إن عام 2015، أشاد لاريجاني بالاتفاق الذي تفاوضت عليه إدارة أوباما والذي حد من البرنامج النووي الإيراني مقابل تخفيف العقوبات، واصفا إياه بأنه بداية لفهم أفضل لقضايا أخرى.

وبعد نزاع العام الماضي مع إسرائيل، عاد لاريجاني إلى الواجهة كرئيس لمجلس الأمن القومي، واعتبره العديد من المحللين أهم صانع قرار في البلاد.

ويرى مراقبون أن موته قد يطيل أمد الحرب، ففي يوم الاثنين، أعلنت وسائل الإعلام الرسمية أن محسن رضائي، القائد السابق في الحرس الثوري الإيراني البالغ من العمر 71 عاما، قد عاد من التقاعد ليصبح كبير المستشارين العسكريين للمرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي.

ويشير هذا، بحسب ما صرح به عزيزي، إلى أن القيادة أصبحت أكثر اعتمادا على جيل حرب العراق، وبالتالي أصبحت أكثر ميلا للعسكرة، في غياب ثقل براغماتية لاريجاني.

وحذر الحرس الثوري الإيراني من أن مقتل لاريجاني سيؤدي إلى مزيد من الهجمات، مما ينذر بتصعيد جديد في المنطقة.