في تحول لافت، تتجه اوروبا نحو التدخل المباشر في منطقة الشرق الاوسط، مدفوعة بمصالحها الاستراتيجية وحماية حلفائها من التهديدات المتزايدة، اذ يتركز القلق الاوروبي على منع تحول الصراع الى مواجهة اقليمية واسعة تهدد استقرار المنطقة الهشة اصلا، وبعد ساعات من التصعيدات الاخيرة، سارع الاتحاد الاوروبي ودوله الاعضاء بشكل فردي وجماعي للتنديد بالتحركات التي تستهدف دولا ليست طرفا في النزاع.

ورئيسة المفوضية الاوروبية، اورسولا فون دير لاين، دانت بشدة ما وصفته بالهجمات غير المسؤولة، مشيرة الى استهداف القاعدة الجوية البريطانية في قبرص والاعتداءات على البنى التحتية المدنية في الخليج، وبعد الدعوات السابقة لضبط النفس، دعت فون دير لاين الى تغيير النظام السياسي في ايران، معتبرة ان اي تغيير يفتح الباب امام مستقبل افضل للشعب الايراني، واضافت انها تدعم حق الشعب الايراني في تقرير مصيره، مبينا ان الحل المستدام يكمن في انتقال سياسي حقيقي ووقف البرامج النووية والباليستية، ووضع حد للانشطة المزعزعة للاستقرار في المنطقة.

وذهبت الترويكا الاوروبية (فرنسا وبريطانيا والمانيا) ابعد من ذلك، باتخاذ خطوة نحو التدخل المباشر في الصراع الدائر، اذ انطلق هذا التحرك ببيان مشترك صدر عن قادة الدول الثلاث، يندد بالهجمات التي طالت دول الخليج والاردن، واكد البيان على اتخاذ خطوات للدفاع عن المصالح ومصالح الحلفاء، بما في ذلك اجراءات دفاعية ضرورية لتدمير قدرات ايران على اطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة من مصادرها.

تحركات عسكرية أوروبية

وبعبارة اخرى، لن ينتظر الاوروبيون وصول التهديدات الى منشآتهم العسكرية او منشآت حلفائهم، بل سيسعون لاستهداف مصادرها في الاراضي الايرانية، ولهذا الغرض، اتفق القادة الثلاثة على العمل المشترك مع الولايات المتحدة والحلفاء في المنطقة.

وجاء اول تطبيق عملي لهذا القرار من فرنسا، حيث اعلن وزير خارجيتها، جان نويل بارو، ان باريس مستعدة، وفقا للاتفاقيات مع الشركاء ومبادئ الدفاع الجماعي المشروع عن النفس، للمشاركة في الدفاع عن دول تشمل السعودية وقطر والامارات والبحرين والكويت وعمان والاردن، وللتذكير، تمتلك فرنسا قواعد جوية في الامارات والاردن، اضافة الى قاعدة مشتركة في جيبوتي، فضلا عن مشاركة قوات فرنسية في قوة اليونيفيل في جنوب لبنان.

ونظرا لخطورة الوضع، انعقد مجلس الدفاع والامن الفرنسي برئاسة الرئيس ايمانويل ماكرون، وربط بارو اي خطوة بطلب مباشر من الدول المعنية وبما يتوافق مع القانون الدولي، وكان ماكرون قد اعلن عن تعزيز الوجود العسكري الفرنسي في المنطقة، وقد اثار استهداف ايران قاعدة الجفرة البحرية الفرنسية في الامارات، حيث اصيبت حظيرة تابعة للقاعدة دون وقوع اصابات، حفيظة باريس.

تعزيزات بحرية وجوية

واضافة الى ذلك، قرر الاوروبيون تعزيز وجودهم البحري في البحر الاحمر في اطار عملية اسبيد، التي بدات عام 2024، من خلال زيادة مدمرتين فرنسيتين ستنضمان للمجموعة البحرية الموجودة، وتهدف العملية الى حماية حرية الملاحة في باب المندب والبحر الاحمر ومضيق هرمز، وبين ان باريس امرت حاملة الطائرات شارل ديغول بالتوجه الى المنطقة بعد مشاركتها في مناورات قبالة السويد.

ويتوافق الموقف البريطاني مع الخط الفرنسي، اذ اكد رئيس الوزراء كير ستارمر ان طهران تعرض ارواح البريطانيين للخطر وتضرب المصالح البريطانية وحلفائها في المنطقة، وان حلفاء بريطانيا في الخليج طلبوا المزيد من الدعم للدفاع عنهم، وشدد على ان الطريقة الوحيدة لوقف التهديد هي تدمير الصواريخ من مصدرها، وهو ما يتماشى مع البيان الثلاثي للترويكا.

وتقع قاعدة اكروتيري الجوية البريطانية في قبرص، والتي استهدفت بصواريخ ايرانية، وتملك بريطانيا اتفاقيات دفاعية واستراتيجية مع دول الخليج، تشمل التدريب والمناورات العسكرية المشتركة والمبيعات العسكرية وحماية المواقع الحساسة والمحافظة على الامن البحري، وكشف ستارمر عن قيام الطائرات البريطانية باعتراض ضربات ايرانية في اطار العمليات الدفاعية.

خلاف اميركي بريطاني

وتسبب ستارمر بخلاف مع الرئيس الاميركي دونالد ترمب، الذي انتقده لتاخره في منح القوات الاميركية حق استخدام القواعد البريطانية، وقال ستارمر ان لندن وافقت على طلب اميركي باستخدام قواعد بريطانية لشن هجمات على مواقع اطلاق الصواريخ الايرانية، موضحا ان الطرف الاميركي سيستخدم القواعد البريطانية لغرض دفاعي محدد ومحدود، وجاء هذا القرار بعد رفض سابق من لندن بالسماح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها لضرب ايران.

ويحرص ستارمر على الاشادة بالعلاقات الخاصة التي تربط بلاده بالولايات المتحدة، بيد ان هذه العلاقة لم تحمه من انتقادات ترمب الذي اعرب عن خيبة امل ازاء ستارمر الذي رفض السماح للقوات الجوية الاميركية باستخدام قاعدة دييغو غارسيا البريطانية الاستراتيجية، الواقعة في المحيط الهندي، للانطلاق منها لضرب المواقع الايرانية، ونقل عن ترمب قوله ان ستارمر استغرق وقتا اطول من اللازم وان امرا كهذا ربما لم يحدث قط بين بريطانيا والولايات المتحدة، مضيفا ان ستارمر كان قلقا بشان شرعية الطلب الاميركي.

ولا تتمتع المانيا بحضور مماثل للوجود الفرنسي البريطاني في المنطقة، ولديها عدد قليل من الجنود في اربيل، عاصمة اقليم كردستان العراق، الى جانب القوات الاخرى في التحالف الدولي لمحاربة داعش، وبين ان لالمانيا عسكريين في قاعدة الازرق الاردنية الجوية، حيث توجد وحدات جوية وغير جوية من عدة دول.

والحال ان القاعدتين تعرضتا لهجمات بالصواريخ والمسيرات الايرانية، ما يدفع برلين لتاكيد اهمية وقف التصعيد ومنع تمدد النزاع، بيد ان لالمانيا ولمستشارها فريدريش ميرتس موقفا يعتبر الاقرب لواشنطن، اذ قال ميرتس ان الوقت ليس مناسبا لالقاء محاضرات على الشركاء والحلفاء، ويعني انه يتعين الامتناع عن انتقاد العملية الاميركية الاسرائيلية.

وخلاصة القول ان الاوروبيين بشكل عام، باستثناء عدد محدود من الدول مثل اسبانيا، يتخلون عن تحفظاتهم ازاء الحرب، رغم يقينهم بان قدرتهم في التاثير على مسارها محدودة للغاية، واكد ان الامور قد تتغير اذا طالت الحرب وتمددت وولدت ازمات كبرى لم تكن في الحسبان.