تتصاعد المخاوف لدى القوى السياسية في لبنان إزاء طلب الخارجية الأميركية من موظفيها الحكوميين غير الأساسيين في سفارتها ببيروت مغادرة البلاد فورا، خشية التداعيات السلبية المحتملة على الوضع الداخلي في حال تعثرت المفاوضات الأميركية الإيرانية، ما يجعل لبنان مطالبا بضبط تحركاته السياسية وفقا لنتائج الجولة الجديدة من المفاوضات المرتقبة في جنيف بوساطة عمانية.

فالترقب الذي يضع لبنان في دائرة الانتظار، يعني بشكل حتمي أن مصير الانتخابات النيابية ومسألة حصرية السلاح بيد الدولة معلقتان على مسار المفاوضات، وما إذا كانت ستتوقف ليحل محلها ضربات عسكرية أميركية ضد إيران، وهذا يستدعي من حزب الله اتخاذ قرار جريء بالموافقة على حصرية السلاح بيد الدولة لقطع الطريق على إسرائيل لتوسيع الحرب، خاصة أن التحرك الاحترازي الأميركي يثير الشكوك حول ما إذا كان مقدمة لتوسع إسرائيلي بغطاء أميركي.

واستباقا لاحتمال فشل المفاوضات، لم تتوقف الاتصالات الرسمية اللبنانية، وعلى رأسها رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، مع المجتمع الدولي وفي مقدمته الولايات المتحدة، لتحييد لبنان عن الصراع وعدم تحويله مجددا إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين، بالتزامن مع تكثيف الاتصالات مع حزب الله لمطالبته بعدم التدخل إلى جانب إيران في حال اندلاع المواجهة الأميركية الإيرانية، مع الإصرار على إلزام إسرائيل بوقف الأعمال العدائية والانسحاب من جنوب لبنان لتمكين الدولة من بسط سيادتها الكاملة على أراضيها.

تحركات لبنانية مكثفة لتحييد البلاد عن الصراعات

وفي هذا السياق، أوضحت المصادر السياسية المواكبة للاتصالات التي يجريها عون بالتعاون مع رئيس الحكومة نواف سلام، أن تحركه تجاه حزب الله جاء بعد تهديد الأمين العام للحزب نعيم قاسم بالتدخل بحجة عدم الوقوف على الحياد، وإن كان قد احتفظ لنفسه بتحديد طبيعة هذا التدخل.

ولفتت المصادر إلى الأهمية البالغة التي توليها للتواصل المستمر بين قيادة حزب الله ورئيس المجلس النيابي نبيه بري عبر معاونه السياسي النائب علي حسن خليل، واكدت أن ما يصرح به قاسم لبري لا يبوح به للآخرين كما يجب، خاصة أن غالبية اللبنانيين ومعهم المجتمع الدولي يقرون بدوره إلى جانب عون وسلام لإخراج البلاد من الأزمة التي تعصف بها محليا وإقليميا، واستمرار احتلال إسرائيل لأجزاء من أراضيها.

وبينت المصادر أنه لا خيار أمام الحزب سوى التضامن مع إيران لارتباطه العقائدي والإيماني بولاية الفقيه، لكن لا بد من الانتظار لمعرفة ما الذي يقصده بالتضامن.

سيناريوهات التضامن وتداعياتها المحتملة

لكن السؤال المطروح، حسب المصادر، هو كيف سيتضامن قاسم في حال اندلعت المواجهة؟ وهل سينزلق لاتخاذ خطوة غير محسوبة كما فعل بدعمه لغزة، مع تزايد الضغوط الدولية عليه لتسليم سلاحه، والتحذير من تدخل سيقابله رد إسرائيلي يحظى بدعم أميركي في ظل اختلال ميزان القوى؟

ومع أن قيادة حزب الله تستمع إلى النصائح المحلية والغربية التي قدمت إليها بشكل مباشر أو غير مباشر، بعدم التدخل دعما لإيران وضرورة الاستجابة للدعوات لتسليم سلاحها كشرط أساسي للانخراط في مشروع الدولة، فهي في المقابل تحرص على عدم الإجابة عليها بوضوح بمواقف عملية، رغم إدراكها أن التحذيرات الإسرائيلية ليست مجرد تهديد أو جزء من الحرب النفسية التي تمارس على الحزب وبيئته، بعد أن وسعت في الأسبوع الماضي اعتداءاتها لتشمل البقاعين الأوسط والشمالي، لتوجيه رسالة نارية للحزب بأن الغارات التي شنتها ما هي إلا عينة على الرد الذي تعده في حال قرر التدخل عسكريا دعما لإيران.

وكشفت المصادر عن أن طبيعة تدخل الحزب في حال اندلعت المواجهة لم تحسم بعد، ولا تزال قيد النقاش والتقييم الداخلي، على أساس أنه إذا كان قاسم مضطرا لقول ما قاله للتأكيد على تضامنه مع إيران، فكيف سيترجم هذا التضامن؟ وهل سيكون لتدخل الحزب عسكريا أي جدوى ما دام تدخله لم يؤد إلى تغيير ميزان القوى أو طبيعة المواجهة؟

مخاوف من خسائر وتأليب للبيئة الحاضنة

واوضحت المصادر أن مجرد دعم الحزب لإيران يعني من وجهة نظرهم أنه سيرتب على البلاد المزيد من الخسائر البشرية والمادية، وربما يؤدي إلى تأليب بيئته عليه، ولن يجد من يوافقه على موقفه محليا أو دوليا، بل سيزيد من الضغوط عليه ويجد نفسه محشورا في الزاوية بدلا من أن يدقق حساباته ويتخذ القرار الذي يبطل ذرائع إسرائيل بالتدخل ويوفر الحماية للبلاد.

وسألت المصادر الحزب: ألم يتعظ من دعمه لغزة؟ وما الفائدة من إصراره على التمسك بسلاحه في موقف لا يترجم سياسيا ويبقى تحت سقف رفع معنويات بيئته التي لا يغيب عن بالها السؤال عن الأسباب الكامنة وراء عدم تصديه للاعتداءات الإسرائيلية، رغم الوعود التي يطلقها بالرد عليها؟

وختمت المصادر بالقول أن تمسك حزب الله بسلاحه والنظر إليه على أنه مصدر قوته في المعادلة السياسية، لن يسمح له بالسيطرة مجددا على القرار السياسي للحكومة وإعادة البلاد إلى ما كانت عليه قبل دعمه لغزة، وبالتالي لن يتمكن من تغيير الواقع المحلي أو الضغط الدولي والعربي عليه لتسليم سلاحه لبسط سلطة الدولة على أراضيها كافة تنفيذا للقرار 1701.