على الرغم من أن الصيام يرتبط بالامتناع عن الطعام والشراب لساعات طويلة، تشير دراسات حديثة إلى أن الوزن قد لا ينخفض خلال شهر رمضان، بل قد يظل مستقرا أو يزيد لدى البعض، وقد دفعت هذه المفارقة الباحثين إلى إعادة فحص تأثير الصيام الرمضاني على الشهية والتمثيل الغذائي وأنماط السلوك الغذائي.
تفسيرات علمية لزيادة الأكل في رمضان
في مراجعة منهجية وتحليل بيانات نشرت في مجلة فرونتيرز ان نيوتريشن، استعرض الباحثون أكثر من 40 دراسة تناولت تغيرات الوزن خلال شهر رمضان، وأظهرت النتائج أن الانخفاض في الوزن، إن حدث، يكون محدودا ومؤقتا خلال الأسابيع الأولى من الصيام، قبل أن يعود في الغالب إلى مستواه السابق بعد فترة قصيرة من انتهاء الشهر.
وعزا الباحثون هذا النمط إلى ما يعرف بـ"تعويض السعرات الحرارية"، إذ يميل كثير من الصائمين إلى استهلاك وجبات مرتفعة السعرات بعد الإفطار، ما يعوض النقص الناتج عن ساعات الامتناع عن الطعام.
تأثير اضطراب الساعة البيولوجية
ولا يقتصر الأمر على كمية السعرات الحرارية وحدها، إذ تناول فريق بحثي من مؤسسات أكاديمية في قطر وبريطانيا تأثير التغيرات التي تطرأ على مواعيد النوم والوجبات خلال شهر رمضان، وما يرافقها من اضطراب في الساعة البيولوجية، وهو عامل قد يؤثر بدوره على تنظيم الشهية ومعدلات الحرق.
واشارت المراجعة إلى أن السهر والاستيقاظ لتناول السحور يغيران إيقاع الساعة البيولوجية، ما قد ينعكس على تنظيم الشهية وإفراز هرمونات الجوع والشبع، وبين الباحثون أن استهلاك الجزء الأكبر من الطعام خلال ساعات الليل يرتبط بزيادة الإحساس بالجوع في المساء، مقارنة بمن يحافظون على نمط نوم أكثر انتظاما.
دور هرمونات الجوع
وفي دراسة سريرية نشرت في مجلة نيوتريينتس، تابع الباحثون مستويات هرموني اللبتين المرتبط بالشبع والغريلين المرتبط بالجوع لدى مشاركين أصحاء قبل شهر رمضان وخلاله، وأظهرت النتائج انخفاضا في مستويات اللبتين خلال الليل مقابل ارتفاع في الغريلين قبيل موعد الإفطار، وهو ما قد يفسر الشعور المتزايد بالجوع في نهاية يوم الصيام.
ولاحظ الباحثون أن قلة النوم تعزز هذا التأثير الهرموني، في مؤشر على تداخل واضح بين العوامل البيولوجية والسلوكية خلال الشهر الفضيل.
استجابة الدماغ للطعام
وفي سياق متصل، اختبرت دراسة نشرت في مجلة ابيتايت استجابة الدماغ لمحفزات الطعام قبل الإفطار وبعده، حيث أظهرت النتائج ارتفاعا ملحوظا في حساسية ما يعرف بـ"مكافأة الطعام" قبل الإفطار، لا سيما تجاه الأطعمة الغنية بالسكر والدهون، وهو ما قد يدفع إلى الإفراط في تناولها عند كسر الصيام.
وفسر الباحثون هذه النتائج بأن فترات الامتناع الطويلة عن الطعام قد تنشط الدوائر العصبية المرتبطة بنظام المكافأة في الدماغ، ما يزيد الميل إلى الإفراط في استهلاك أنواع محددة من الطعام فور كسر الصيام.
تأثير تقلبات سكر الدم
وفي سياق متصل، تناولت مراجعة علمية نشرت في مجلة ديابيتيس ريسيرش اند كلينيكال براكتيس تأثير الصيام الرمضاني على ضبط مستويات سكر الدم.
وخلصت المراجعة إلى أن الصيام قد يحسن حساسية الأنسولين لدى بعض الأشخاص الأصحاء، لكنه في المقابل قد يسبب تقلبات حادة في مستويات الغلوكوز إذا تضمن الإفطار كميات مرتفعة من السكريات البسيطة.
وقد تعقب هذه التقلبات نوبات جوع لاحقة خلال ساعات المساء، ما يسهم في زيادة إجمالي السعرات الحرارية المتناولة خلال اليوم.
وتشير الدراسات ايضا إلى وجود فروق طفيفة في الاستجابة الأيضية بين الرجال والنساء، إذ قد تعاني بعض النساء من احتباس السوائل خلال النصف الثاني من شهر رمضان، وهو ما قد يفسر الإحساس بزيادة الوزن دون حدوث تغير ملموس في كتلة الدهون.
وتظهر المراجعات العلمية الحديثة أن الصيام بحد ذاته لا يؤدي تلقائيا إلى الإفراط في تناول الطعام أو زيادة الوزن، غير أن تداخل عدة عوامل من بينها تغيير مواعيد الوجبات واضطراب النوم وارتفاع استجابة الدماغ لمكافأة الطعام إلى جانب تقلبات سكر الدم قد يدفع بعض الأشخاص إلى استهلاك كميات أكبر مما يتصورون.
وبينما يظل شهر رمضان موسما للانضباط الروحي، تشير الأبحاث إلى أن طريقة كسر الصيام ونمط التغذية المتبع وليس ساعات الامتناع وحدها هي العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان الشهر يترك أثرا صحيا إيجابيا أم محايدا.
