كشفت مصادر مطلعة داخل الادارة الامريكية ان الرئيس دونالد ترمب يدرس خيارات عسكرية ضد ايران، مبينا انه في حال فشلت الدبلوماسية او الضربات المحددة في تحقيق مطالب واشنطن بتخلي طهران عن برنامجها النووي، فانه سيتم اللجوء الى خيارات اخرى.

واضافت المصادر ان ترمب قد يدرس شن هجوم اكبر بكثير في الاشهر المقبلة بهدف الاطاحة بقادة ايران من السلطة، مشيرة الى ان هذه الخطوة تأتي في اطار تصاعد التوتر بين البلدين.

بينما اوضح مستشارون انه على الرغم من عدم اتخاذ قرارات نهائية حتى الان، فان ترمب يميل الى تنفيذ ضربة اولية في الايام المقبلة، مؤكدين ان الهدف من هذه الضربة هو اظهار لقادة ايران انه يتعين عليهم الموافقة على التخلي عن القدرة على صنع سلاح نووي.

الأهداف المحتملة للضربة الأولية

وتشمل الاهداف قيد الدراسة مقر الحرس الثوري الايراني والمنشات النووية في البلاد، فضلا عن برنامج الصواريخ الباليستية، لافتين الى ان هذه الاهداف تمثل نقاط قوة رئيسية في النظام الايراني.

واكد ترمب لمستشاريه انه اذا فشلت هذه الخطوات في اقناع ايران بتلبية مطالبه، فانه سيترك الباب مفتوحا امام امكانية شن هجوم عسكري في وقت لاحق من هذا العام، مبينا ان الهدف من هذا الهجوم هو المساعدة في اسقاط المرشد علي خامنئي.

وذكرت مصادر مطلعة ان هناك شكوكا حتى داخل الادارة حول ما اذا كان يمكن تحقيق هذا الهدف بالضربات الجوية وحدها، موضحة انه خلف الكواليس، يجري بحث اقتراح جديد من جانب الطرفين يمكن ان يفتح مخرجا من الصراع العسكري، من خلال برنامج تخصيب نووي محدود للغاية يمكن ان تنفذه ايران حصرا لاغراض البحث الطبي والعلاج.

مقترح اللحظات الأخيرة

ومن غير الواضح ما اذا كان اي من الطرفين سيوافق على ذلك، لكن مقترح اللحظة الاخيرة ياتي في وقت تتجمع فيه مجموعتان من حاملات الطائرات وعشرات الطائرات المقاتلة والقاذفات وطائرات التزويد بالوقود ضمن مدى ضرب ايران، مؤكدا ان المنطقة تشهد حشودات عسكرية كبيرة.

وبينت المصادر ان ترمب ناقش خطط شن ضربات على ايران في غرفة العمليات بالبيت الابيض يوم الاربعاء، واضافت ان الاجتماع حضره نائب الرئيس جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو والجنرال دان كين رئيس هيئة الاركان المشتركة ومدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف وسوزي وايلز كبيرة موظفي البيت الابيض.

واستند هذا التقرير الى محادثات مع عدد من المسؤولين الاميركيين المطلعين على الاجتماع، بينهم مسؤولون لديهم اراء مختلفة بشان افضل مسار للعمل، واكدوا انه لم يسمح اي منهم باستخدام اسمائهم، مشيرين الى حساسية المناقشات المتعلقة بالعمليات العسكرية وتقييمات الاستخبارات.

تباين الآراء داخل الإدارة

وخلال الاجتماع، ضغط ترمب على كين وراتكليف لابداء رايهما في الاستراتيجية الاوسع تجاه ايران، واضافت المصادر ان كلا منهما لا يدافع عادة عن موقف سياسي محدد، مبينة ان كين ناقش ما يمكن ان يفعله الجيش من الناحية العملياتية، فيما فضل راتكليف مناقشة الوضع الحالي على الارض والنتائج المحتملة للعمليات المقترحة.

وخلال المناقشات التي جرت الشهر الماضي حول عملية اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، ابلغ كين ترمب بان احتمال النجاح مرتفع، لكنه لم يتمكن من تقديم الضمانات نفسها خلال المناقشات المتعلقة بايران، مشيرة الى ان ذلك يرجع بدرجة كبيرة الى ان ايران هدف اصعب بكثير.

اما فانس، الذي دعا منذ فترة طويلة الى مزيد من ضبط النفس في العمليات العسكرية الخارجية، فلم يعارض توجيه ضربة، لكنه استجوب كين وراتكليف بشدة خلال الاجتماع، واكدت المصادر انه ضغط عليهما لعرض اراءهما بشان الخيارات المطروحة، وانه اراد نقاشا اوسع حول المخاطر وتعقيدات تنفيذ ضربة ضد ايران.

خيارات المواجهة العسكرية

واشارت المصادر الى ان الولايات المتحدة كانت قد درست في وقت سابق خيارات شملت نشر فرق من قوات العمليات الخاصة على الارض لتنفيذ غارات لتدمير منشات نووية او صاروخية ايرانية، بما في ذلك مواقع تصنيع وتخصيب مدفونة عميقا تحت سطح الارض وخارج مدى الذخائر الاميركية التقليدية.

واكدت المصادر ان اي عملية من هذا النوع ستكون شديدة الخطورة، وستتطلب بقاء قوات العمليات الخاصة على الارض لفترة اطول بكثير مما حدث في الغارة الرامية الى اعتقال مادورو، وبينت ان خطط تنفيذ غارة كوماندوز جرى تعليقها في الوقت الراهن.

كما اعرب مسؤولون في الجيش والبحرية والقوات الجوية عن قلقهم من تاثير حرب طويلة الامد مع ايران، او حتى مجرد البقاء في حالة استعداد لمثل هذا الصراع، على جاهزية سفن البحرية ومنظومات باتريوت النادرة للدفاع الصاروخي وطائرات النقل والمراقبة المثقلة بالاعباء.

البيت الأبيض يرفض التعليق

ورفض البيت الابيض التعليق على عملية اتخاذ القرار لدى ترمب، لافتا الى ان المتحدثة باسم البيت الابيض انا كيلي قالت في بيان ان وسائل الاعلام يمكن ان تستمر في التكهن بشان تفكير الرئيس كما تشاء، لكن الرئيس ترمب وحده يعرف ما قد يفعله او لا يفعله.

وحتى قبل ان يقدم الايرانيون ما يبدو انه مقترحهم الاخير - اذ قال مسؤولون انهم يتوقعون ارساله الى ادارة ترمب الاثنين او الثلاثاء - بدا ان الجانبين يشددان مواقفهما، وصرح ستيف ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس على قناة فوكس نيوز ان التوجيه الواضح الذي اعطاه ترمب له ولجاريد كوشنر شريكه في التفاوض وصهر الرئيس هو ان النتيجة الوحيدة المقبولة لاي اتفاق تتمثل في ان تتحرك ايران نحو صفر تخصيب للمواد النووية.

لكن وزير الخارجية الايراني عباس عراقجي اصر مجددا على قناة سي بي اس الاحد على ان بلاده غير مستعدة للتخلي عما وصفه بحقها في انتاج الوقود النووي بموجب معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية، ومع هذا التصريح، بدا ان القرار بشان ما اذا كانت الولايات المتحدة على وشك مهاجمة اهداف في ايران، بهدف واضح هو اضعاف حكومة خامنئي بشكل اكبر، بات مرهونا بقدرة الطرفين على الاتفاق على تسوية تحفظ ماء الوجه بشان الانتاج النووي يمكن لكل من واشنطن وطهران تقديمها على انها نصر كامل.

مقترح الوكالة الدولية للطاقة الذرية

ويجري حاليا بحث احد هذه المقترحات من قبل ادارة ترمب والقيادة الايرانية، ووفقا لعدة مسؤولين، فان هذا المقترح صادر عن رافائيل غروسي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي هيئة تابعة للامم المتحدة تتولى تفتيش المنشات النووية الايرانية.

وبموجب هذا المقترح، سيسمح لايران بانتاج كميات صغيرة جدا من الوقود النووي للاغراض الطبية، واكدت المصادر ان ايران تنتج منذ سنوات نظائر طبية في مفاعل طهران للابحاث، وهي منشاة عمرها نحو 60 عاما تقع خارج العاصمة، وقد زودته الولايات المتحدة لاول مرة في عهد الشاه الموالي لواشنطن ضمن برنامج الذرة من اجل السلام، في واحدة من المفارقات اللافتة في تاريخ الطاقة النووية الحديث.

واشارت المصادر الى انه اذا جرى اعتماد هذا المقترح، فيمكن لايران ان تقول انها لا تزال تخصب اليورانيوم، ويمكن لترمب ان يجادل بان ايران تغلق جميع المنشات التي تمكنها من صنع سلاح، مؤكدة ان معظمها بقي مفتوحا ويعمل بمستويات منخفضة بموجب اتفاق عام 2015 بين ايران وادارة اوباما، وقد انسحب ترمب من ذلك الاتفاق في عام 2018، ما دفع الايرانيين لاحقا الى منع المفتشين وانتاج يورانيوم قريب من درجة صنع القنبلة ومهد الطريق للازمة الحالية.

موقف إيران من التخصيب النووي

لكن من غير الواضح ما اذا كان الايرانيون مستعدين لتقليص برنامجهم النووي الواسع ذي الطابع الصناعي، الذي انفقوا عليه مليارات الدولارات، الى جهد ضئيل محدود النطاق، كما ليس واضحا ما اذا كان ترمب سيقبل بانتاج نووي محدود يقتصر على دراسات علاج السرطان واغراض طبية اخرى، في ضوء اعلاناته العلنية بشان صفر تخصيب.

ولم يذكر عراقجي هذا المقترح بشكل مباشر عندما تحدث من طهران، لكنه قال اعتقد انه لا تزال هناك فرصة جيدة للتوصل الى حل دبلوماسي، مضيفا لذلك لا حاجة لاي تعزيز عسكري، والتعزيز العسكري لا يمكن ان يساعد في ذلك ولن يضغط علينا.

وفي الواقع، الضغط هو جوهر هذه المفاوضات، وما يسميه ترمب الاسطول الضخم الذي حشدته الولايات المتحدة في البحار المحيطة بايران هو اكبر قوة عسكرية ركزتها في المنطقة منذ استعدادها لغزو العراق قبل ما يقرب من 23 عاما.

حشود عسكرية أمريكية في المنطقة

وقد تدفقت الى المنطقة مجموعتا حاملات طائرات وعشرات الطائرات المقاتلة والقاذفات وطائرات التزويد بالوقود وبطاريات مضادة للصواريخ، في استعراض للقوة يتجاوز حتى ذلك الذي سبق الاطاحة القسرية بمادورو من فنزويلا في اوائل يناير (كانون الثاني).

وقال مسؤولون عسكريون ان الحاملة الثانية جيرالد ار فورد كانت تبحر جنوب ايطاليا في البحر الابيض المتوسط الاحد، وستتجه قريبا الى قبالة سواحل اسرائيل.

ومما يزيد تعقيد اي قرار نهائي بشان الضربات العسكرية ان قادة من المنطقة اتصلوا بنظرائهم في واشنطن للاحتجاج على تصريحات ادلى بها مايك هاكابي السفير الاميركي لدى اسرائيل، ففي مقابلة مع المعلق المحافظ تاكر كارلسون بثت الجمعة، قال هاكابي ان لاسرائيل حقا في اجزاء واسعة من الشرق الاوسط، ما اثار غضب دبلوماسيين عرب في دول تامل الولايات المتحدة ان تدعم او على الاقل الا تعارض علنا هجوما اميركيا على ايران.

أهداف أمريكية غير واضحة

ولم يوضح مسؤولو الادارة الاميركية اهدافهم بدقة في مواجهة ايران، البلد الذي يزيد عدد سكانه على 90 مليون نسمة، فبينما يتحدث ترمب كثيرا عن منع ايران من انتاج سلاح نووي، عرض روبيو ومساعدون اخرون مبررات اخرى للتحرك العسكري، من بينها حماية المتظاهرين الذين قتلوا بالالاف الشهر الماضي والقضاء على ترسانة الصواريخ التي يمكن لايران استخدامها لضرب اسرائيل وانهاء دعم طهران لحركة حماس وحزب الله.

لكن اي عمل عسكري اميركي قد يؤدي ايضا الى رد فعل قومي، حتى بين الايرانيين الراغبين في انهاء قبضة خامنئي القاسية على السلطة.

وقال مسؤولون اوروبيون حضروا مؤتمر ميونيخ للامن هذا الشهر انهم يشككون في ان الضغط العسكري سيدفع القيادة الايرانية الى التخلي عن برنامج اصبح رمزا للمقاومة في مواجهة الولايات المتحدة.