يواجه الفلسطينيون في قطاع غزة فصولا من المعاناة التي لا تنتهي حيث يمثل النزوح القسري جرحا غائرا في الذاكرة الجمعية. وقد برز كتاب شهادات النازحين حكايات لم تكتمل كوثيقة إنسانية تحفظ تفاصيل الوجع.
وافتتح الناشط فايز ابو عكر شهادته بعبارة موجعة تؤكد ان الانسان يموت مرتين حين يغادر منزله وحين يدرك ان تاريخه صار رمادا. واضاف ان النزوح ليس مجرد رحيل بل هو مطاردة الذكريات للواقع.
وبين ان المنازل التي غادرها اصحابها على امل العودة تحولت في كثير من الاحيان الى ركام بفعل القصف المستمر. واكد ان الذكريات ظلت معلقة في القلوب رغم كل محاولات الغياب والنسيان القسري.
صمود الامهات وسط الانهيار
وتسرد الارملة اريج صلاح كيف تتحول الام خلال الحروب الى خط الدفاع الاول عن اطفالها. واضافت ان ضيق المكان جعلها تدرك ان القوة الحقيقية تكمن في قدرتها على الاستمرار رغم قسوة الظروف.
وشددت على ان الحرب لا تسلب الانسان ممتلكاته فقط بل تدفع الامهات لخوض معركة يومية لحماية الاطفال من الخوف. واوضحت ان الام تصبح مصدرا للقوة النفسية لعائلتها تخفي خوفها وتكتم المها.
واكدت ان محاولة الحفاظ على شعور الامان وسط واقع ينهار تعد تحديا كبيرا. وبينت ان رحلة النزوح تفرض على الامهات التخلي عن احلامهن الشخصية مقابل توفير قدر من الطمأنينة لاطفالهن المكلومين.
توثيق الفقد وايقاع الحياة المفقود
وتوضح النازحة ندى جابر ان الانسان في النزوح يفقد ايقاع حياته بالكامل وتصبح ابسط التفاصيل كجرعة الماء حلما بعيدا. واضافت ان المشاركة في الكتاب لم تكن مجرد سرد بل توثيق لوجع شخصي.
وكشفت انها تحدثت عن البيت الذي غادرته تحت وقع القصف وعن الاحلام التي توقفت فجأة. واكدت ان الذكريات التي تركتها معلقة بين الركام باتت جزءا من هويتها التي ترفض ان تضيع.
وبينت ان الكتاب يمثل محاولة انسانية لحفظ الذاكرة من التبديد. واضافت ان توثيق هذه اللحظات هو دفاع عن الحق في الحياة والذكرى امام محاولات طمس الحقيقة التي يمارسها الاحتلال بحق اهالي القطاع.
ذاكرة شعب فوق الاوجاع
ويؤكد مؤلف الكتاب احمد يوسف ان الفكرة جاءت من عصارة تجربة مريرة عاشها بنفسه. واضاف ان الكتاب يوثق الذاكرة الانسانية للنازحين كما عاشوها بكل ما تحمله من مرارة وفقدان للممتلكات.
وبين ان هذه الشهادات ليست روايات عابرة بل هي ذاكرة شعب كتب عليه ان يحمل وطنه فوق اوجاعه. واكد ان النزوح في غزة اعاد للاذهان ملامح النكبة الفلسطينية بشكل اكثر قسوة واتساعا.
واوضح ان العمل يضم خمسين شهادة متنوعة تعكس وحدة المعاناة. واضاف ان المؤلف حرص على نقل تفاصيل التجربة منذ الساعات الاولى للحرب وصولا الى الحياة داخل الخيام وما يعانيه النازحون من جوع.
شهادة حية على الصمود
ويعتبر الباحث ربحي الجديلي ان الكتاب يمثل امتدادا لروح التغريبة الفلسطينية. واضاف ان الشهادات المباشرة منذ اكتوبر تقدم تصويرا حيا لاهوال الحرب والدمار وفقدان المأوى في سرد يوثق فصول المأساة.
وشدد على ان الكتاب ليس مجرد سجل للاحداث بل مرآة لذاكرة لا تزال تكتب تفاصيلها تحت القصف. واوضح ان العمل يحفظ الرواية الانسانية والوطنية في مواجهة محاولات النسيان والتشويه المتعمد.
واكد الاعلامي احمد داوود ان الشهادات تكشف كيف يتحول رغيف الخبز الى امنية. واضاف ان قوة هذه القصص تكمن في نقل الحقيقة من سطح الخبر الى عمق التجربة البشرية بعيدا عن الارقام.
