شهدت الساحة السياسية في مصر تحركا برلمانيا جديدا يهدف الى وضع اطار قانوني ينظم عمل صناع المحتوى والمؤثرين عبر منصات التواصل الاجتماعي. وياتي هذا المقترح في ظل تزايد الممارسات العشوائية التي يشهدها الفضاء الرقمي مؤخرا، حيث يسعى المشرعون الى تقنين هذا النشاط الذي تحول الى سوق تجارية واعلانية ضخمة بعيدا عن الرقابة الرسمية. ويهدف المقترح الى فرض نوع من الانضباط المهني الذي يحدد حقوق وواجبات البلوجرز، مع التركيز على حماية المستهلك وضمان التزام صانع المحتوى بالمعايير الاخلاقية والمجتمعية المتعارف عليها.
واكد مقدم المقترح النائب ايمن محسب ان غياب القوانين المنظمة لهذا القطاع ادى الى انتشار اعلانات غير مفصح عنها وترويج لمنتجات دون رقابة كافية، مما استدعى ضرورة التدخل التشريعي. واضاف ان الخطوة القادمة تتضمن مناقشة هذا المقترح في جلسات برلمانية تضم اللجان المختصة من الاعلام والاقتصاد، الى جانب الوزراء والجهات المعنية، للوصول الى صيغة قانونية متوافق عليها تضمن تنظيم هذا النشاط بشكل رسمي وفعال.
وبين محسب ان الهدف من هذا التحرك لا يقتصر فقط على الجانب المالي او الضريبي، بل يمتد ليشمل الحد من المحتوى الذي يتعارض مع قيم المجتمع، موضحا ان منح تراخيص لممارسة هذه المهنة سيجعل صناع المحتوى تحت طائلة القانون مع امكانية سحب الترخيص في حال ارتكاب تجاوزات غير قانونية.
التحديات امام دمج صناع المحتوى في المنظومة الضريبية
واشار خبراء اقتصاديون الى ان تحصيل الضرائب من صناع المحتوى يعد خطوة معقدة لكنها ليست مستحيلة، حيث يرى البعض ان الضغط على الشركات المنتجة لتقديم فواتير ضريبية مقابل الاعلانات يعد وسيلة فعالة للرقابة. واوضح الخبراء ان البنوك المركزية يمكنها ان تلعب دورا محوريا في هذا الملف من خلال مراقبة التحويلات المالية الكبيرة القادمة من الخارج لصالح صناع المحتوى، مما يسهل عملية ادراجهم ضمن الوعاء الضريبي للدولة.
واضافت استاذة الاقتصاد شيرين الشواربي ان دمج هذا القطاع في الاقتصاد الرسمي يجب ان يقابله تقديم خدمات حقيقية لهؤلاء الشباب، مثل توفير مظلة حماية اجتماعية وتامينية. واوضحت ان السوق الرقمي اصبح جزءا لا يتجزا من الاقتصاد الحديث، وبالتالي فان التعامل معه يتطلب رؤية متكاملة تجمع بين التنظيم القانوني والتحفيز الاقتصادي لضمان استدامة هذا النشاط بشكل قانوني.
واكد المحامي الحقوقي سامح سمير ان النقاش حول تنظيم عمل البلوجرز ليس وليد اللحظة، مشيرا الى ان بعض المؤثرين بدأوا بالفعل في فتح ملفات ضريبية نتيجة ضغوط بنكية، لكنه شدد على اهمية التفريق بين التنظيم المهني وبين الملاحقات التي تستهدف المظهر الشخصي، مؤكدا ان القانون يجب ان يركز على المحتوى الضار او المحرض على العنف والفتنة.
الانعكاسات القانونية والاجتماعية لضبط المحتوى
وذكرت تقارير امنية ان وزارة الداخلية تواصل جهودها في ضبط بعض صناع المحتوى المتهمين بنشر مواد منافية للاداب العامة او التحريض على قيم الاسرة، وهو ما يعزز من وجهة النظر البرلمانية الداعية الى ضرورة وجود قانون واضح. واوضح المراقبون ان هذا الملف يتقاطع فيه دور الاعلام مع الاقتصاد والامن، مما يجعل من صياغة القانون تحديا يتطلب تضافر جهود جميع مؤسسات الدولة.
واضاف النائب محسب ان الدولة لا تستهدف التضييق على الحريات، بل تسعى لضبط سوق عشوائي يدر ارباحا طائلة خارج اطار الدولة، موضحا ان تنظيم العمل سيساهم في خلق بيئة عمل احترافية تليق بالمؤثرين الذين يقدمون محتوى هادفا ومفيدا للمجتمع.
وكشفت الممارسات الميدانية ان غياب التنظيم ادى الى حالة من الفوضى، خاصة مع دخول العديد من صناع المحتوى الى مجالات اخرى كالتمثيل والاعلام دون معايير واضحة، مما يجعل من الضروري الاسراع في اقرار تشريعات تنهي هذه العشوائية وتضع الاطار التنظيمي اللازم للمرحلة المقبلة.
