أثارت صورة التقطها جندي في الجيش الاسرائيلي بهاتفه الشخصي موجة من الغضب والجدل الواسع، حيث ظهر الجندي مبتسما بينما كانت خلفه امرأتان فلسطينيتان معصوبتا العينين ومقيدتا اليدين داخل مركبة عسكرية. وكشفت التحقيقات لاحقا أن السيدتين هما عائشة العقاد وابنتها هدى من مدينة خان يونس، اللتان غابتا عن عائلتهما منذ اجتياح قوات الاحتلال للمنطقة في ديسمبر الماضي. واظهرت هذه اللقطة جانبا من مأساة الالاف الذين فقدوا اثرهم وسط صمت مطبق وتعتيم متعمد من قبل السلطات العسكرية.
واكدت عائلة العقاد في بيانات سابقة أنها فقدت الاتصال بأفرادها خلال الحصار البري للمدينة، حيث استشهد رب الاسرة وبقي مصير الابناء والنساء مجهولا حتى لحظة انتشار تلك الصورة. واضافت تقارير حقوقية أن هذه الحادثة ليست فردية، بل تمثل غيضا من فيض لسياسة ممنهجة تتبعها القوات الاسرائيلية في التعامل مع المدنيين، مما حول منازل العائلات إلى ساحات للفقد والانتظار القاتل.
وبينت المعطيات الميدانية أن هذه الصورة لم تكن مجرد توثيق عابر، بل اعادت فتح ملف المفقودين والمخفين قسرا في قطاع غزة على مصراعيه. واوضحت ان هذه القضية باتت تشكل واحدة من اكثر الازمات الانسانية تعقيدا في ظل استمرار العمليات العسكرية وتدمير البنية التحتية، مما يجعل الوصول إلى الحقيقة مهمة شبه مستحيلة امام العائلات المكلومة.
مصير المفقودين في ظل التعتيم العسكري
وكشفت هيئة حقوق الانسان أن اعداد المفقودين في غزة تجاوزت حاجز الـ 11 الف شخص، بينهم الاف النساء والاطفال الذين تبخرت اخبارهم في ظروف غامضة. واشارت مديرة المركز الفلسطيني للمفقودين ندى نبيل إلى أن هناك ما يقرب من 1500 شخص يعتقد بوجودهم داخل مراكز اعتقال سرية لا يعلم عنها الصليب الاحمر شيئا. واضافت أن حجب المعلومات هو تكتيك متعمد يهدف إلى ممارسة الضغط النفسي على المجتمع الغزي.
ووضحت ندى نبيل أن هذا الغموض يخلق حالة من التعذيب النفسي المستمر، حيث تعيش العائلات في دوامة لا تنتهي من الامل واليأس. واكدت أن النساء اللواتي فقدن ازواجهن يعانين من تداعيات قانونية واجتماعية خانقة، حيث لا يملكن وثائق تؤكد وفاتهم أو حياتهم، مما يعطل قضايا الارث والحقوق المدنية. وشددت على أن هذا الملف يتجاوز البعد الفردي ليصبح ازمة اجتماعية بنيوية تهدد تماسك المجتمع.
واظهرت الدراسات النفسية أن حالة الفقد الغامض تترك اثارا مدمرة على ذوي المفقودين، حيث لا يجدون فرصة لوداع احبائهم أو اقامة جنازات تمنحهم السكينة النفسية. واضافت أن غياب الجثامين يجعل العائلات عالقة في حالة انتظار ابدي، وهو ما يصنف ضمن انتهاكات الحقوق الانسانية والكرامة الشخصية في القانون الدولي.
تحديات التوثيق في بيئة مدمرة
وبينت المؤسسات الحقوقية أن تفاقم الازمة يعود إلى انهيار منظومة السجل المدني والاتصالات، بالإضافة إلى وجود اعداد كبيرة من الضحايا تحت الانقاض. واوضحت أن عمليات الدفن الاضطراري التي تمت دون توثيق رسمي خلال فترات القصف العنيف ساهمت في ضياع هوية مئات الجثامين. واضافت أن نبش المقابر وتدمير الشواهد جعل من الصعب لاحقا التعرف على رفات الشهداء أو مطابقتها مع بيانات المفقودين.
واكد الدكتور مصطفى نصر الله الخبير في القانون الدولي أن جريمة الاخفاء القسري تندرج تحت بند الجرائم ضد الانسانية وفق نظام روما الاساسي. واوضح أن ممارسات الجيش الاسرائيلي تتضمن انتهاكات جسيمة قد تصل إلى القتل والتعذيب الممنهج. واضاف أن المجتمع الدولي مطالب بالتحرك الفوري لفتح تحقيق مستقل ومساءلة المسؤولين عن هذه الجرائم التي تغيب فيها الحقيقة خلف ركام المنازل وقضبان السجون.
وشدد نصر الله على أن استمرار سياسة التعتيم يهدف إلى كسر ارادة العائلات وتغييب الادلة المادية التي تدين الاحتلال. واختتم بالقول إن العالم لا يمكنه الوقوف متفرجا امام هذه المأساة التي تحول فيها البشر إلى ارقام مخفية، مؤكدا أن العدالة تظل المطلب الوحيد الذي يمكنه تضميد جراح الاف العائلات في غزة.
