يواجه المشهد الاعلامي في ليبيا تحديات جسيمة تعكس حالة الانقسام السياسي والعسكري التي تشهدها البلاد منذ سنوات طويلة، حيث تحولت المؤسسات الاعلامية الى ساحات موازية للصراع تعبر عن توجهات السلطات المتنازعة في شرق وغرب البلاد. واظهرت تقارير دولية ومحلية ان خريطة القنوات التلفزيونية والمنصات الاخبارية باتت ترسم خطوط تماس واضحة، مما يضع العمل الصحفي المستقل امام مخاطر حقيقية في ظل نفوذ المجموعات المسلحة وسيطرة الرأسمال السياسي الموجه.
واكد مراقبون ان تضييق الخناق على الصحفيين وتراجع مساحة المهنية اديا الى خلق بيئة اعلامية توصف بانها تفتقر الى التوازن، حيث تسعى كل جهة لفرض سرديتها الخاصة عبر منابر تابعة لها. واضاف هؤلاء ان الاعلام الليبي بات اليوم يفتقر الى الحوكمة التي يمكنها تحييد المؤسسات الاعلامية عن النزاعات السياسية، مما جعل من حرية التعبير هدفا سهلا للاستقطاب الحاد.
وبينت شهادات ميدانية ان الفعاليات التي تقام بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة تكشف حجم الفجوة بين الواقع والطموح، حيث لا تزال الانتهاكات الموثقة تعكس واقعا مريرا يعيشه العاملون في قطاع الاعلام. واشار ناشطون الى ان المعارض الفنية والندوات التوثيقية كشفت عن حجم الضغوط التي يتعرض لها الصحفيون، مؤكدين ان الانقسام لا يزال يلقي بظلاله الثقيلة على حرية العمل الصحفي في كافة ارجاء البلاد.
الاعلام كأداة في صراع النفوذ
وكشف رئيس المركز الليبي لحرية الصحافة محمد الناجم ان الصراع بين الجبهات يزداد تجذرا مع غياب قوانين تنظم العمل الاعلامي وتحميه من التدخلات السياسية، موضحا ان صفحات التواصل الاجتماعي ساهمت بدورها في تأجيج النزاعات وتشويه الخصوم عبر نشر دعاية مضللة. واشار الى ان هذا التداخل بين السياسة والاعلام جعل من الصعب على الجمهور الحصول على معلومات محايدة بعيدا عن التجاذبات.
واوضحت منظمة مراسلون بلا حدود في تقاريرها الاخيرة ان القنوات التلفزيونية في ليبيا تحولت الى امتداد لخرائط النفوذ بين الاطراف المتنازعة، حيث تتبنى كل قناة خطابا يخدم المعسكر السياسي الذي تتبعه. واضافت المنظمة ان هذا الاستقطاب يمنع المؤسسات الاعلامية من القيام بدورها التنويري، محذرة من ان استمرار هذا الوضع يعمق الفجوة بين مكونات المجتمع الليبي.
وشدد نقيب الصحفيين في غرب ليبيا منصور الاحرش على ان البيئة الاعلامية الحالية غير مؤهلة لممارسة صحافة مستقلة، مبينا ان غياب الضمانات القانونية ووجود سلطات امر واقع يحدان بشكل كبير من تنوع المحتوى. واكد ان الصحفيين يجدون انفسهم مضطرين لمواءمة خطوطهم التحريرية مع القوى المسيطرة لتجنب الملاحقات او التضييق.
تحديات المهنة ومستقبل الصحافة في ليبيا
واظهرت المعطيات الميدانية ان خريطة الاعلام في شرق البلاد تركز على دعم توجهات القيادة العسكرية هناك، بينما تعمل القنوات في الغرب على دعم سردية حكومة الوحدة الوطنية، مما يكرس حالة الانقسام في وعي المتلقي. واضاف اعلاميون ان هذا الواقع فرض رقابة ذاتية قاسية جعلت من الحياد الاعلامي مهمة شديدة التعقيد في ظل غياب مؤسسات نقابية فاعلة.
واوضح الاعلامي محمد القرج ان الكثير من الصحفيين اضطروا لمغادرة البلاد بحثا عن بيئة عمل اكثر امانا، مؤكدا ان العودة للعمل داخل ليبيا باتت مخاطرة غير محسوبة في ظل اتساع نفوذ الميليشيات. واشار الى ان الترهيب لا يزال حاضرا رغم التحسن النسبي الذي شهدته البلاد بعد توقف العمليات العسكرية الكبرى.
واكد الصحفي احمد الحضيري ان الحل لا يكمن فقط في اصلاح القوانين، بل في ضرورة الوصول الى توافق سياسي شامل ينهي الانقسام بين الحكومتين، مبينا ان الاعلام يحتاج الى دستور يحترم حرية التعبير كحجر زاوية لبناء الدولة. وخلص الخبراء الى ان استعادة استقلالية الاعلام في ليبيا تتطلب ارادة سياسية حقيقية تضع مصلحة الوطن فوق صراعات الجبهات.
