تتنامى حالة من القلق والتوتر لدى الفلسطينيين في الضفة الغربية نتيجة الانتشار الكثيف للاعلام الاسرائيلية على طول الطرق الرئيسية، وهو مشهد بصري بات يفرض نفسه بقوة على تنقلات المواطنين بين المدن والبلدات. واضافت تغريد يحيى، وهي شابة من جنين، أن الشعور بالغصة اصبح رفيقها اليومي عند رؤية التغيرات المتسارعة في المشهد العام، حيث اصبحت الاعلام والبؤر الاستيطانية الجديدة تبتلع المساحات التي كانت مألوفة للسكان منذ سنوات طويلة. وبينت ان هذا الواقع يخلق مزيجا من الحزن والخوف، لكنه في الوقت ذاته يعزز من اصرار الفلسطينيين على التمسك بارضهم وهويتهم في مواجهة محاولات الطمس المستمرة التي تمارسها سلطات الاحتلال والمستوطنون في المناطق المختلفة.
اقتلاع الاشجار وزرع الاعلام
واكد شهود عيان ان عمليات التوسع الاستيطاني لا تقتصر على وضع الاعلام، بل تترافق مع اقتلاع اشجار الزيتون وتجريف الاراضي الفلسطينية لصالح شق طرق التفافية تخدم المستوطنين وتسهل حركتهم بين البؤر المتناثرة. واوضح مراقبون ان هذه الفعاليات تهدف الى خلق واقع جغرافي جديد يرسخ الوجود الاستيطاني، حيث يتم استغلال آليات الاحتلال لتمهيد الارض وتثبيت البيوت المتنقلة بشكل عاجل، مما يغير ملامح القرى والبلدات الفلسطينية بشكل جذري. وشدد خبراء في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان على ان وتيرة الهدم وتجريف الاراضي في المحافظات الشمالية سجلت ارقاما قياسية غير مسبوقة، مما يشكل خطرا حقيقيا على مستقبل التجمعات السكانية الفلسطينية ويقوض اي فرصة للتنمية.
جغرافيا تتغير بلمح البصر
وكشفت المصورة فاتن عبد الهادي عن صدمتها من سرعة التغير في تضاريس الضفة، مؤكدة ان المعالم التي كانت تعرفها اصبحت غريبة عنها بفعل التوسع الاستيطاني الذي لا يتوقف، والذي اعاد تشكيل الجغرافيا في وقت قياسي. واضافت ان مشاهد البيوت المتنقلة والاعلام المنتشرة على جوانب الطرق تعكس حجم الاستباحة الممنهجة للحقوق الفلسطينية، مشيرة الى ان هذا التمدد البصري يهدف الى اشعار الفلسطيني بانه غريب على ارضه ومحاصر داخل مدنه. واكد المواطن معاذ كامل ان الاحتلال يسعى الى سلب الفلسطينيين قدرتهم على الدهشة، حيث باتت هذه الممارسات جزءا من سياسة قهر يومية تهدف الى كسر ارادة الصمود لدى الاهالي في كافة المناطق.
تمدد بصري واستيطاني ممنهج
واظهرت بيانات رسمية ان سلطات الاحتلال درست عشرات المخططات الهيكلية لتوسيع المستوطنات واقامة بؤر جديدة، وهو ما يشير الى تحول في الاستراتيجية الاستعمارية من مجرد توسيع للمستعمرات القائمة الى انتاج مستعمرات جديدة بالكامل. واضافت تقارير ان هذه السياسة تهدف بشكل مباشر الى ضم الاراضي وفرض السيادة الاسرائيلية عليها، بما يخدم المشروع الاستيطاني الكبير الذي يلتهم الضفة الغربية ويقطع اوصالها الجغرافية بشكل كامل. وشددت الهيئات المختصة على ان هذه المخططات ليست عشوائية، بل هي جزء من رؤية سياسية تتبناها حكومة الاحتلال لفرض واقع ديموغرافي وجغرافي جديد ينهي الوجود الفلسطيني في مناطق واسعة من الضفة الغربية.
كي الوعي الفلسطيني
وبين المختص في الشأن الاسرائيلي خلدون البرغوثي ان نشر الاعلام الاسرائيلية ليس مجرد فعل رمزي، بل هو اداة لكي الوعي الفلسطيني وزرع فكرة ان الوجود الاستيطاني دائم بينما الوجود الفلسطيني طارئ ومؤقت. واضاف ان هذه الخطوات تتماشى مع خطابات قادة الاستيطان الذين يتباهون ببناء المزارع والمستوطنات، مؤكدا ان الهدف الحقيقي هو دفع الفلسطينيين للهجرة من قراهم وحصرهم في مراكز المدن. واختتم بالقول ان السيطرة الميدانية تتكامل مع الحرب النفسية لتفريغ الارض من اصحابها، مما يتطلب استراتيجية وطنية شاملة لمواجهة هذه الهجمة الاستيطانية التي تستهدف الوجود والهوية على حد سواء في كافة ارجاء الضفة.
