قلبت محكمة بداية الزرقاء بصفتها الاستئنافية مسار قضية تتعلق بتمزيق وتحقير العلم الاردني، بعدما ثبت لديها من خلال تقرير طبي رسمي ان المتهم يعاني من انفصام عقلي، مع نسبة عجز بلغت 80% وبصفة دائمة، لتنتهي المحكمة الى اعلان عدم مسؤوليته جزائيا عن الفعل المسند اليه، ووضعه تحت اشراف مراقب السلوك.
وبحسب الحكم الذي اطلع عليه موقع “صوت عمان”، تعود تفاصيل القضية الى واقعة حدثت عندما كان منظمو الضبط يقومون بواجبهم الرسمي في منطقة الاختصاص، بعد ورود اخبار يفيد بقيام شخص بالتلثم واخفاء ملامح وجهه والدخول الى منطقة سكنية، قبل ان يتوجه الى احد اعلام المملكة الاردنية الهاشمية المنصوب فوق عريشة امام احد المنازل.
ووفق ما ورد في حيثيات الحكم، اقدم الشخص على كسر العصا التي تحمل العلم الاردني، ما ادى الى اسقاط العلم، وبعد عمليات البحث والتحري جرى تحديد هوية الشخص على انه المشتكى عليه في القضية.
وكان المشتكى عليه قد احيل الى محكمة صلح جزاء الزرقاء، بموجب قرار احالة صادر في القضية لمحاكمته عن جرم القيام بتمزيق وتحقير العلم الاردني بقصد الاساءة له، خلافا لاحكام المادة 12/أ من قانون الاعلام الاردنية رقم 5 لسنة 2004.
حكم بالحبس والغرامة ثم اعتراض واستئناف
وسجلت اوراق القضية لدى محكمة صلح جزاء الزرقاء تحت الرقم 11492/2025، حيث اصدرت المحكمة بتاريخ 30/12/2025 حكما تضمن ادانة المشتكى عليه والحكم عليه بالحبس مدة ستة اشهر، اضافة الى الغرامة البالغة الف دينار والرسوم.
ولم يرتض المشتكى عليه بالحكم، فتقدم باعتراض عليه بتاريخ 6/4/2026، لتتشكل بعد ذلك القضية الاعتراضية، وبعد السير باجراءات المحاكمة اصدرت محكمة الصلح حكمها بتاريخ 7/4/2026، والذي بقي متضمنا ادانته والحكم عليه بالحبس ستة اشهر والغرامة الف دينار والرسوم.
وعقب ذلك تقدم وكيل المحكوم عليه باستئناف امام محكمة بداية الزرقاء بصفتها الاستئنافية، طالبا فسخ الحكم والسماح لموكله بتقديم دفوعه وبيناته الدفاعية ومناقشة بينات النيابة العامة والادلاء بافادته الدفاعية.
واستند الاستئناف بصورة رئيسية الى ان موكله يعاني من اعاقة عقلية شديدة ومرض نفسي، وان ذلك ثابت من خلال تقرير طبي موجود في ملف الدعوى، الامر الذي اعتبره الدفاع سببا جوهريا يستوجب اعادة النظر في الاجراءات التي تمت بحقه.
وخلال المحاكمة الاستئنافية، حضرت النيابة العامة والمستأنف، وجرى تلاوة لائحة الاستئناف وضم ملف القضية الصلحية الجزائية، فيما تمسك وكيل المستأنف بان موكله يعاني من مرض نفسي شديد، تاركا للمحكمة امر تقدير واعتماد التقرير الطبي.
واطلعـت المحكمة على صورة طبق الاصل عن التقرير الطبي الصادر بحق المستأنف، والذي افاد بوجود انفصام عقلي لديه، مع تخلف نسبة عجز بلغت 80%، ووصفت حالة العجز بانها دائمة.
المحكمة تبحث المسؤولية الجزائية في ضوء الحالة العقلية
وعند نظر المحكمة في القضية، خلصت الى ان الواقعة المادية المتعلقة بالتعامل مع العلم الاردني ثابتة من خلال ملف الدعوى والتقارير الطبية، الا ان المسالة الاساسية التي كان يتعين حسمها تتعلق بمدى توافر المسؤولية الجزائية لدى المشتكى عليه وقت ارتكاب الفعل.
وبحسب الحكم الذي اطلع عليه موقع “صوت عمان”، استندت المحكمة الى المادة 92 من قانون العقوبات، التي تقرر اعفاء من العقاب من يرتكب فعلا او تركا وهو عاجز عن ادراك كنه افعاله او عاجز عن العلم بان القانون يحظر عليه ارتكاب الفعل بسبب اختلال في عقله.
كما استندت المحكمة الى المادة 233 من قانون اصول المحاكمات الجزائية، والتي تتضمن احكاما خاصة للتعامل مع المتهم الذي تظهر عليه علامات مرض نفسي او اعاقة عقلية، وتحدد الاجراءات التي يتعين اتباعها للتحقق من حالته ومدى اهليته للمحاكمة.
واوضحت المحكمة ان القانون يميز بين حالات المرض النفسي والاعاقة العقلية، ويضع اجراءات محددة عندما يتبين ان المتهم غير قادر على فهم مجريات المحاكمة او ادراك طبيعة افعاله.
وبينت المحكمة ان المادة 233 تتيح، في الحالات التي تثبت فيها اصابة المشتكى عليه بمرض نفسي او اعاقة عقلية، اتخاذ تدابير قانونية وطبية خاصة، بما في ذلك وضعه تحت الرقابة الطبية او تأجيل محاكمته الى حين يصبح اهلا للمحاكمة، بحسب طبيعة الحالة وما يثبت من التقارير الطبية.
كما اشارت المحكمة الى ان المادة ذاتها تعالج الحالة التي يثبت فيها ان المريض النفسي ارتكب الفعل المسند اليه، لكنه كان وقت ارتكابه مصابا بمرض يجعله عاجزا عن ادراك كنه اعماله او محظورا عليه اتيان الفعل، حيث يتم اعلان عدم مسؤوليته جزائيا واتخاذ التدبير الذي يقرره القانون.
وفي حالة الاعاقة العقلية، اوضحت المحكمة ان القانون لا يجي محاكمة الشخص الا بحضور من له ولاية عليه، وعند تعذر ذلك يعين له محام للدفاع عنه، وفي حال ثبوت ارتكابه للفعل يمكن اعلان عدم مسؤوليته ووضعه تحت اشراف مراقب السلوك للمدة التي يحددها القانون.
تقرير طبي بنسبة عجز 80% حسم مسار القضية
واعتبرت المحكمة ان التقرير الطبي الصادر عن اللجان الطبية لدى مديرية الصحة، والذي اثبت وجود انفصام عقلي لدى المستأنف ونسبة عجز بلغت 80% وبصفة دائمة، يمثل بينة جوهرية يتعين التعامل معها وفق الاحكام الخاصة بالمسؤولية الجزائية للمصابين بالامراض العقلية والاعاقات.
ووجدت المحكمة ان قوام المسؤولية الجزائية يرتبط بقدرة الشخص على الارادة والادراك وفهم طبيعة افعاله، وان الحالة المثبتة بالتقرير الطبي تستوجب تطبيق الاحكام القانونية الخاصة بهذه الفئة.
وبحسب الحكم الذي اطلع عليه موقع صوت عمان، رأت المحكمة ان محكمة الدرجة الاولى كان يتعين عليها تطبيق احكام المادة 233/4 من قانون اصول المحاكمات الجزائية، في ضوء ما ثبت لديها من حالة المشتكى عليه الصحية والعقلية.
واشارت المحكمة كذلك الى قرار صادر بتاريخ 12/4/2001، باعتباره من السوابق القضائية التي استندت اليها في معالجة المسالة القانونية المتعلقة بالمسؤولية الجزائية في مثل هذه الحالات.
وبناء على ذلك، خلصت محكمة بداية الزرقاء بصفتها الاستئنافية الى ان استمرار ادانة المستأنف والحكم عليه بالحبس والغرامة لم يعد قائما على اساس قانوني سليم، في ضوء ثبوت حالته العقلية بالتقرير الطبي الرسمي.
القرار النهائي: عدم مسؤولية ووضعه تحت اشراف مراقب السلوك
وفي ختام حكمها، قررت المحكمة قبول الاستئناف موضوعا وفسخ القرار المستأنف، واعلان عدم مسؤولية المشتكى عليه ن. ع. س. أ. م. عن الجرم المسند اليه.
كما قررت المحكمة وضعه تحت اشراف مراقب السلوك للمدة المناسبة، الى حين ثبوت انه اصبح لا يشكل خطرا على المجتمع، وذلك استنادا الى المادة 233 من قانون اصول المحاكمات الجزائية وبدلالة المادة 92 من قانون العقوبات.
