نجحت جمعية الثقافة والفكر الحر في قطاع غزة في اعادة تشغيل معمل الفسيفساء الذي توقف خلال الحرب الاخيرة، حيث يهدف المشروع الى استنهاض مواهب الاطفال واليافعين عبر فن تشكيلي عابر للعصور. واعتمد القائمون على استغلال ما تبقى من انقاض المنازل المدمرة وحجارتها لتكون الركن الاساسي في صناعة الاعمال الفنية، مما يمنح هذه القطع قيمة رمزية تعكس الصمود والاصرار على الحياة والابداع.
واكد الفنان التشكيلي محمد ابو لحية ان المبادرة تبدأ بتنظيم دورات متخصصة ومكثفة لتدريب المشاركين على تقنيات الفسيفساء الدقيقة، مبينا ان عملية التعليم تتطلب صبرا ووقتا طويلا يمتد لعدة اشهر لاكتساب المهارات. واوضح ان العمل الفني يستند بشكل جوهري الى الموروث الثقافي الفلسطيني، حيث يتم تدريب الاطفال على محاكاة مشاهد تراثية تعبر عن حياة الفلاحين والنساء والزيتون والبحر لتعزيز ارتباطهم بهويتهم الوطنية.
وبين ابو لحية ان الفسيفساء تعد فنا مستداما يتحدى الزمن، حيث تظل الجداريات محتفظة برونقها وجمالها رغم التعرض لعوامل التعرية او مرور السنين، مما يجعلها وسيلة مثالية لنقل الرسائل الثقافية للاجيال القادمة.
تحديات ابداعية في مواجهة الشح
واشار المختصون الى ان ابرز التحديات التي تواجههم تتمثل في ندرة المواد الخام الاساسية، موضحا انهم يضطرون للبحث عن بدائل مبتكرة في مراحل القص والتركيب والتثبيت لضمان استمرار العمل في المعمل. واضاف ان نقص مادة الاسمنت يمثل عقبة كبيرة، مما دفعهم لاستخدام الطوب المطحون وخلطه كبديل، مع استخراج الحجارة الصالحة من تحت ركام المنازل المهدمة واعادتها للخدمة من جديد.
اقرأ أيضا :
وذكر القائمون ان اعادة تدوير الركام لم تكن خيارا تقنيا فحسب، بل اصبحت جزءا من فلسفة العمل الفني الذي يحول مخلفات الحرب الى قطع جمالية تعيد الحياة للاماكن التي دمرها القصف الاسرائيلي.
تفريغ نفسي عبر الفن
وكشفت الطفلة كنان مصطفى رمضان، التي تبلغ من العمر 14 عاما، ان انضمامها للمعمل وفر لها مساحة للتفريغ النفسي بعد اصابتها وتدمير منزل عائلتها، مؤكدة ان الفن كان وسيلة لتجاوز آثار الحرب.
واضافت الفتاة عناية ابو هدروس انها وجدت في تعلم الفسيفساء فرصة لتنمية قدراتها الفنية ونسيان ضغوطات الحرب، موضحة انهم يعملون على ترميم لوحات قديمة وصناعة اخرى جديدة رغم غياب الامكانيات والالوان المطلوبة.
واكدت ان الاطفال واليافعين يواصلون جهودهم بكل اصرار، معتبرين ان كل قطعة فسيفساء يضعونها هي بمثابة رسالة صمود، حتى وان كانت المواد المتاحة لا تكتمل في بعض الاحيان بسبب ظروف الحصار الخانق.
