تواصل مؤشرات الدين الخارجي في مصر اثارة التساؤلات حول طبيعة الاقتصاد الوطني، حيث تظهر البيانات الرسمية التزام الحكومة بسداد كافة الاقساط والفوائد المستحقة في مواعيدها، الا ان اجمالي حجم الديون لا يزال يسلك مسارا تصاعديا لافتا.
واوضح خبراء الاقتصاد ان هذه المفارقة تعود بشكل اساسي الى استمرار الدولة في الحصول على قروض جديدة من مؤسسات دولية واقليمية متعددة، مما يؤدي الى تآكل اثر عمليات السداد التي تتم بانتظام ودقة.
واكدت التقارير الصادرة عن البنك المركزي المصري ان ارقام الدين الخارجي تشهد تقلبات مستمرة، حيث يتم تعويض المبالغ المسددة عبر حزم تمويلية جديدة تهدف الى سد الفجوة بين الايرادات والمصروفات العامة للدولة في الوقت الراهن.
مفارقة الالتزام والاقتراض
وبين الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب ان جدول سداد الديون يشمل الاصول والفوائد، ولكن المشكلة تكمن في ان وتيرة الاقتراض الجديدة تتجاوز حجم المبالغ التي يتم سدادها فعليا للمانحين والمؤسسات الدولية المختلفة.
واضاف ان التركيز الاعلامي ينصب دائما على قروض صندوق النقد الدولي، بينما الحقيقة تشير الى وجود قروض ضخمة من بنوك تنمية اقليمية ومؤسسات دولية اخرى تمتد آجالها لعقود طويلة وتساهم في رفع اجمالي الرصيد.
وشدد على ان استمرار الاعتماد على التمويل الخارجي لتمويل عجز الموازنة والمشروعات القومية يجعل من الصعب خفض حجم الدين، رغم ان الدولة المصرية لم تتأخر يوما عن سداد التزاماتها الدولية تجاه الدائنين والمستثمرين.
تأثير العملات الاجنبية
وكشف الخبير المصرفي طارق اسماعيل ان تقلبات اسعار صرف العملات العالمية مقابل الدولار تلعب دورا محوريا في تضخم ارقام الدين، خاصة مع وجود حصة كبيرة من الديون مقومة بعملة اليورو التي شهدت ارتفاعات امام العملة الامريكية.
واشار الى ان كل مليار يورو يتم اقتراضه يترجم الى زيادة في حجم الدين المسجل بالدولار، وهو ما يفسر جزءا من الارتفاعات الرقمية التي تظهر في التقارير الدورية للبنك المركزي رغم التزام الدولة بالسداد.
واوضح ان سياسة تدوير الديون اصبحت نهجا متبعا عند استحقاق السندات الخارجية، حيث يتم طرح ادوات دين جديدة لتغطية القديمة، وذلك في ظل الضغوط التي تفرضها الفجوة الكبيرة بين الموارد المالية والنفقات العامة للدولة.
رؤى مستقبلية للحل
واكد وزير النقل كامل الوزير في تصريحات برلمانية ان الاقتراض الموجه للمشروعات القومية لا يعد استهلاكا، بل هو استثمار يهدف الى تحقيق عوائد مستقبلية تساهم في تعزيز خزينة الدولة بالعملة الصعبة وتنمية الاقتصاد.
واضاف خبراء اخرون ان الحل يكمن في وضع سقف صارم للدين الخارجي واعادة ترتيب اولويات المشروعات، مع التركيز على جذب الاستثمارات الاجنبية المباشرة بدلا من الاعتماد الكلي على التمويل الخارجي لتقليل الاعباء المالية.
وبينت الحكومة ان الاحتياطيات الدولية في البنك المركزي توفر غطاء امنا للسداد، مع العمل المستمر على تحسين هيكل الايرادات لتقليل الاعتماد على الديون الخارجية في تمويل خطط التنمية والاصلاح الهيكلي في المرحلة القادمة.
