تتكرر المشاهد في كل مرة يطلق فيها الحكم صافرة النهاية حيث يصرخ الملايين حول العالم فرحا بهدف حاسم او يبكون بحرقة على هزيمة فريق لم يسبق لهم زيارة مدينته او مقابلة لاعبيه شخصيا. لقد تحول التشجيع الرياضي بمرور الوقت من مجرد هواية بسيطة الى هوية عميقة قد تدفع البعض للمخاطرة بكل شيء من اجل ناد لا يربطهم به سوى شعار ولون قميص يرتدونه في كل مباراة.
وتفسر الدراسات النفسية هذا السلوك من خلال نظرية الهوية الاجتماعية التي تؤكد ان الانسان يحتاج للانتماء الى جماعة يرى فيها تميزا لكي يعزز صورته الذاتية. ويصبح الفريق هنا جزءا لا يتجزأ من شخصية المشجع الذي يتحدث عنه بضمير نحن ويتبنى قيمه ورموزه لدرجة انه يشعر بانتصارات النادي وكانها انجازات شخصية حققها بنفسه في حياته اليومية.
واوضحت ابحاث نفسية ان المشجعين يميلون الى ارتداء قمصان فرقهم والتحدث عنها بفخر بعد الفوز بينما يميلون الى التنصل منها بوصفها هم بعد الخسارة. ويسمي الباحثون هذه الظاهرة بالاستمتاع بالمجد المنعكس حيث يندمج الفرد مع انتصار فريقه ليعزز مكانته النفسية بينما يعمل قطع الصلة مع الفشل المنعكس كدرع واق يحمي النفس من مرارة الهزيمة التي قد تسبب حزنا عميقا.
المدرجات كملاذ عاطفي
وبين علماء الاجتماع ان الملاعب توفر مساحة امنة لتفريغ المشاعر الحادة التي قد لا يجد الرجال متنفسا لها في مواقف اخرى. ويعد البكاء على هزيمة فريق كرة قدم امرا مقبولا اجتماعيا بل دليلا على الوفاء بينما يواجه الرجل صعوبة في التعبير عن مشاعره في ظروف حياتية اخرى مما يجعل المدرج مسرحا مثاليا للتطهير الانفعالي الجماعي.
واكدت الدراسات الهرمونية ان اجساد المشجعين تتفاعل بيولوجيا مع المباريات اذ ترتفع مستويات هرمون التستوستيرون لدى المشجعين عند فوز فريقهم وتهبط عند الخسارة بنفس النمط الذي يشهده اللاعبون على ارض الملعب. هذا يعني ان الدماغ والجسد يعيشان حالة المنافسة بكل تفاصيلها الكيميائية وهو ما يفسر لماذا يشعر المشجع بانه في معركة حقيقية اثناء متابعة اللقاء من خلف الشاشات او في مدرجات الملاعب.
واضاف باحثون ان التطور التكنولوجي والعولمة قد سهلا ارتباط المشجعين بفرق عالمية لم يزوروها قط. وتلعب قصص اللاعبين الملهمة والاساطير الكروية دورا محوريا في بناء هذه الجسور العاطفية حيث يرى الطفل في قريته البعيدة في لاعبه المفضل رمزا للحلم والنجاح والانضباط مما يجعله يشعر بالانتماء العميق لهذا الكيان الرياضي.
تسليع الانتماء في عالم الرياضة
وكشفت تقارير سوق المنتجات الرياضية ان حجم الانفاق على شعارات الاندية والمنتجات المرخصة بلغ مليارات الدولارات سنويا. وقد ادى هذا الى تسليع الانتماء حيث اصبحت القمصان والاشتراكات الرقمية وتجارب الملاعب ادوات يعبر بها المشجع عن ولائه لكيانه المفضل مما حول كرة القدم الى صناعة ضخمة تعتمد على العاطفة الانسانية في المقام الاول.
وشدد خبراء الاقتصاد الرياضي على ان وسائل التواصل الاجتماعي عمقت هذا الارتباط حيث يعيش المشجع مع فريقه على مدار الساعة. ولم يعد الامر مقتصرا على تسعين دقيقة في الملعب بل اصبح متابعة الاحصائيات والتفاعل مع الاخبار الشخصية للاعبين جزءا من الروتين اليومي الذي يعزز الشعور بالارتباط النفسي الدائم.
وبينت التحليلات ان هذا التكامل الرقمي حول التشجيع من هواية موسمية الى نمط حياة شامل. فالمشجع اليوم يحمل شعار ناديه في هاتفه وملابسه وذاكرته مما يجعل الفريق حاضرا في كل لحظة من لحظات يومه العادي وهذا يفسر لماذا يضحي المشجعون بوقتهم ومالهم من اجل هذا الانتماء.
الجانب المظلم للتعصب الرياضي
واظهرت الدراسات ان التشجيع الرياضي يحمل وجهين حيث يتحول في حالات معينة الى تعصب مرضي يسيطر على حياة الفرد. ويظهر هذا في تحكم نتائج الفريق في المزاج اليومي او العلاقات الاسرية والاجتماعية او حتى في السلوكيات العنيفة التي يبررها البعض تحت شعار الدفاع عن النادي وهي حالة نفسية تتطلب وعيا كبيرا.
واضاف مختصون في علم النفس ان الدوبامين الذي يفرزه الدماغ عند الفوز يرتبط بمشاعر الانجاز الشخصي بينما تنشط مناطق الألم عند الخسارة. وعندما يتجاوز الامر حدود المتعة يتحول التشجيع الى ادمان انفعالي يجعل حياة الشخص رهينة لنتائج مباراة لا يملك فيها اي سيطرة او تأثير حقيقي.
واكد الباحثون في الختام ان حاجة الانسان للانتماء الى جماعة هي غريزة فطرية توفرها الرياضة بشكل مكثف. ومع ذلك يبقى التوازن هو المفتاح لكي يظل التشجيع مصدرا للفرح والترابط دون ان يتحول الى عبء نفسي يهدد استقرار الفرد وسعادته الشخصية في عالم مليء بالضغوط.
