اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
العودة لنسخة الموبايل
النسخة الكاملة

العمل التطوعي… عنوان رقي الأمم ورسالة الإنسان النبيلة

العمل التطوعي… عنوان رقي الأمم ورسالة الإنسان النبيلة

 

 

بقلم: طبيب استشاري في جراحة المسالك البولية د.جمال تركي الشلول


في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتزداد فيه التحديات الاجتماعية والإنسانية، وفي زمنٍ أصبحت فيه معظم الأشياء تُقاس بالأرقام، وأصبح المال معيارًا للكثير من العلاقات والخدمات، تبقى هناك مواقف إنسانية نادرة تُعيد إلينا الإيمان بأن الخير ما زال يسكن القلوب، وأن الرحمة لا يمكن أن تُشترى.
 

من داخل مهنة الطب، حيث يلتقي الألم بالأمل، يدرك المرء أن الطبيب لا يحمل مجرد شهادة أو لقب، بل يحمل رسالة عظيمة اختارها الله لتكون طريقًا لرفع المعاناة عن الناس. ومن خلال عملي كاستشاري في جراحة المسالك البولية، رأيت وجوهًا أنهكها المرض، وأبًا يخفي ألمه خوفًا على أسرته، وأمًا تدعو من قلبها لمن يخفف وجع ابنها، وكبار سنٍّ لا يأتون فقط باحثًا عن علاج، بل يأتون مُثقلًين بالخوف، والتعب، والقلق، وينتظرون كلمة تطمئن قلبهم قبل أي وصفة دوائية
,حينها أدركت أن مهنة الطب لا تقتصر على تقديم العلاج داخل غرف العمليات أو العيادات، بل تمتد لتشمل رسالة إنسانية أعمق، قوامها الرحمة وخدمة المجتمع وتخفيف معاناة الناس،.
إن العمل التطوعي في المجال الطبي يحمل أثرًا مضاعفًا؛ فحين تُقدَّم استشارة مجانية، أو تُجرى متابعة لمريض محتاج، أو تُخفَّف معاناة ابتغاءً للأجر الإنساني والأخلاقي. فهو  يزرع الأمل في نفوس المرضى، ويمنحهم شعورًا بأن هناك من يهتم لأمرهم دون انتظار مقابل، وهذا  من أنبل صور العطاء، ودليل على أن الإنسانية ستبقى دائمًا جوهر مهنة الطب ورسالتها الخالدة
إن أعظم الأجور ليست تلك التي تُحصى بالمال، بل دعوة صادقة من مريض، ودمعة فرح من أم، وابتسامة إنسان شعر أن الدنيا ما زالت بخير. فهنا تكمن إنسانية الطب، وهنا يولد المعنى الحقيقي للعطاء, حينها يشعر الطبيب أنه يمارس أسمى معاني المهنة التي أقسم أن يؤديها بأمانة وشرف.و تُعيد للمجتمع شيئًا من دفئه وتماسكه، وتؤكد أن الخير لا يزال حاضرًا رغم كل التحديات في هذا الوطن الخير المعطاء.
كما أن العمل التطوعي يسهم في بناء مجتمع أكثر تماسكًا وتعاونًا، ويعزز روح الانتماء والمسؤولية الوطنية. فحين يتطوع الطبيب، والمعلم، والمهندس، والطالب، يصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية المستدامة. . فالأمم لا تُقاس فقط بما تملكه من تقدم مادي أو تقني، بل بما يغرسه أفرادها من قيم العطاء والتكافل والمسؤولية تجاه الآخرين.
ولا شك أن غرس ثقافة التطوع في الأجيال القادمة يمثل استثمارًا أخلاقيًا وإنسانيًا طويل الأمد. فالشباب الذين يتعلمون معنى العطاء منذ الصغر، يكبرون وهم أكثر وعيًا بقضايا مجتمعهم وأكثر استعدادًا للمشاركة الإيجابية في بنائه.
إنني أؤمن بأن العمل التطوعي ليس عملاً هامشيًا أو نشاطًا موسميًا، بل هو أسلوب حياة يعكس رقي الإنسان وسمو أخلاقه. وكلما ازدهرت ثقافة التطوع في مجتمع ما، دلّ ذلك على قوة تماسكه وارتفاع مستوى وعيه الحضاري والإنساني.
سيظل الطب  في جوهره الحقيقي، رسالة رحمة لا تُقدَّر بثمن.....
لقد أصبح العالم اليوم أكثر قسوة وانشغالًا بالماديات، حتى بات البعض يظن أن كل شيء يمكن شراؤه بالمال، لكن الحقيقة التي تعلمتها من المرضى ومن العمل التطوعي أن القلوب لا تُشفى بالمال وحده، وأن الكلمة الطيبة، والاهتمام، والرحمة، قد تكون أحيانًا أعظم من العلاج نفسه.
إن مهنة الطب ليست مجرد علم أو وظيفة،  بل رسالة رحمة كتبها الله في قلوب من اختاروا أن يكونوا سندًا للمتألمين وبلسمًا لآلام المرضى. فخلف كل مريض حكاية ألم، وخوف، وأمل ينتظر يدًا حانية وكلمة صادقة قبل أي دواء
الجميع يدرك أن الطبيب يُعالج ويبذل ما يستطيع من علم وخبرة، لكنه لا يملك أسباب الشفاء، فالشفاء أولًا وأخيرًا بيد الله. ومن هنا كانت مهنة الطب رسالة إنسانية عظيمة تقوم على التواضع والرحمة والأمانة، لا على الغرور أو استعراض النفوذ والشهرة.
وما أجمل أن يعود المريض إلى منزله وهو يشعر أن هناك من عامله بإنسانية واحترام، لا كرقمٍ في قائمة أو حالة عابرة. فدعوة صادقة من مريض، ودمعة امتنان من أم، وابتسامة رجل استعاد صحته… كلها أشياء لا تُقدَّر بثمن، ولا يمكن لأي مقابل مادي أن يساويها.
فالطبيب الحقيقي لا يقف فوق الناس بمهارته العلمية ، بل إلى جانبهم، يحمل آلامهم ومسؤوليته الأخلاقية أمام الله والمجتمع. وعندما تُختزل هذه المهنة السامية بلغة المال والدعاية الشخصية، يشعر الناس بأن قيمة الإنسان أصبحت أقل من صورة أو إعلان أو شهرة عابرة
إن ما أثار غضب الشارع الأردني في الفترة الاخيرة ليس مجرد سلوك فردي، بل الشعور بأن قدسية مهنة الطب بدأت تُزاحمها لغة المال والاستعراض والشهرة. فالطبيب في وجدان الأردنيين ليس “صانع محتوى”، بل صاحب رسالة أقسم أن يحفظ حياة الإنسان وكرامته وآلامه.
مهنة الطب لم تكن يومًا ساحة للدعاية الشخصية أو التفاخر الإعلامي، لأن وجع الناس ليس مادة للإعلانات، وثقة المرضى ليست وسيلة لبناء النفوذ والشهرة. وعندما يتحول الطبيب من صاحب رسالة إنسانية إلى باحث عن الأضواء، فإن ذلك يسيء إلى هيبة المهنة ويصدم المجتمع الذي ما زال ينظر للطبيب باعتباره موضع أمان ورحمة واحترام.
وفي الوقت ذاته، فإن العدالة تقتضي أن يُحاسب كل من يخطئ ضمن القانون والأصول المهنية، دون تهويل أو ظلم، لكن أيضًا دون تهاون أو تبرير. فكرامة المهنة لا تُحمى بالصمت، بل بالمحاسبة الصادقة واستعادة المعايير الأخلاقية التي قام عليها الطب عبر التاريخ.
ورغم كل ما حدث، يبقى من الظلم اختزال الطب الأردني بحادثة أو اسم. فهناك آلاف الأطباء الأردنيين الذين يسهرون في غرف الطوارئ، ويقفون إلى جانب المرضى بصمت وإنسانية، بعيدًا عن الكاميرات والضجيج. هؤلاء هم الصورة الحقيقية للطب، وهؤلاء هم من يستحقون ثقة الناس واحترامهم.
سيبقى الطب رسالة شرف ورحمة، لا تجارة ولا استعراضًا، وستبقى كرامة المريض وأخلاقيات المهنة فوق الشهرة والمال وكل المصالح الشخصية.
وسيظل الأردن يفتخر بأطبائه الشرفاء الذين يعملون بصمت وإنسانية، بعيدًا عن
الأضواء، واضعين ضميرهم المهني فوق أي مصلحة أو مكسب شخصي.

   يسرني أن أتقدم بأسمى آيات الشكر والتقدير إلى أهلنا الكرام في محافظة مادبا على هذا التكريم الطيب الذي أعتز به كثيرًا، والذي أعتبره وسام فخر واعتزاز يحمل معاني المحبة والانتماء والعطاء.
إن هذا التكريم بمناسبة عيد الاستقلال يحمل قيمة معنوية كبيرة في نفسي، لأنه يتزامن مع مناسبة وطنية عزيزة نستذكر فيها بكل فخر تضحيات الآباء والأجداد الذين صنعوا استقلال الوطن ورسخوا قيم الكرامة والإنجاز.
وإنني أؤمن بأن العمل التطوعي ليس واجبًا فحسب، بل رسالة إنسانية ووطنية تعكس أصالة مجتمعنا الأردني وتكاتف أبنائه. وما قدمناه وسيبقى قليلًا أمام محبتكم وثقتكم الغالية.
كل الشكر والامتنان لأهالي مادبا الأوفياء، ولجميع القائمين على هذا التكريم الكريم، سائلًا الله أن يديم على وطننا الأمن والاستقرار في ظل القيادة الهاشمية الحكيمة، وأن يبقى الأردن دائمًا نموذجًا للعطاء والمحبة والإنسانية


Warning: Undefined array key 21 in /home/ammanvoice/public_html/footer.php on line 123
مفاوضات واشنطن الحاسمة: هل تنجح معادلة تثبيت الهدنة مقابل انسحاب اسرائيل ونزع سلاح الحزب تثبيت أسعار المشتقات النفطية لشهر حزيران وتعديل تسعيرة الديزل خسارة ودية برباعية للنشامى أمام سويسرا تحركات عسكرية ايرانية مكثفة تستهدف مواقع حدودية في اقليم كردستان طموح النشامى في كاس العالم يثير اهتمام الاتحاد الاسيوي لكرة القدم مبادرة طيف تطلق مساحة امنة لترميم نفسية اطفال غزة وسط خيام النزوح العمل التطوعي… عنوان رقي الأمم ورسالة الإنسان النبيلة قضية الطبيب تعود للواجهة مجددا.. وهذه المرة بطلها والده ترمب يرفع سقف التحدي ويفرض شروطا جديدة على طهران لضمان اتفاق نووي شامل قرارات هامة لوزير التربية والتعليم تشمل ترفيعات وإحالات على التقاعد المبكر (أسماء) رهانات سياسية معقدة في اثيوبيا مع انطلاق الانتخابات وسط غياب مناطق حيوية سقوط قاس للنشامى امام المنتخب السويسري في محطة تحضيرية ثورة في وادي السيلكون: شركة ناشئة تجعل الذكاء الاصطناعي يتعلم من اخطائه يوميا شاهد أهداف مباراة الأردن وسويسرا (فيديو) فضيحة الرشوة المليونية تهز بغداد والزيدي يعلن الحرب على الفساد كرة القدم الذكية: كيف اصبحت الكرة جهازا تقنيا يحتاج الى شحن كهربائي؟ النائب الخصاونة يخرج عن صمته ويكشف حقيقة ما جرى مع ابنه بمشاجرة اربد مستقبل الحركة المدنية في مصر بين خيار الحل واعادة الهيكلة بعد ازمة قصر قرطام الذكاء الاصطناعي في التعليم: كيف تحوله من وسيلة للغش إلى أداة للتفوق الدراسي