اعاد حكم حديث صادر عن المحكمة الدستورية خلال شهر اذار 2026 الجدل القانوني حول الرسوم المترتبة على الشيكات المطروحة امام دوائر التنفيذ، بعدما ردت المحكمة طعنا يتعلق باخضاع هذه الشيكات لرسوم طوابع الواردات، في قضية سلطت الضوء على العلاقة بين تحصيل الحقوق المالية وحدود الرقابة الدستورية على تفسير القوانين.
وجاء الحكم على خلفية نزاع مالي بدا اعتياديا يتعلق بتحصيل قيمة شيكات، قبل ان يتطور الى ملف قانوني ودستوري واسع النطاق بعد اعتماد تفسير يعتبر ان الشيك عند طرحه امام دائرة التنفيذ لا يبقى اداة وفاء معفاة من الرسوم، وانما يتحول الى اداة ائتمان تخضع لرسوم طوابع الواردات، ما يعني تحميل الدائن اعباء مالية اضافية عند لجوئه للقضاء لتحصيل مستحقاته.
كيف بدات القضية وما سبب الخلاف؟
تعود تفاصيل القضية الى 21 تشرين الاول 2025، عندما تقدمت شركة بطلب تنفيذ مجموعة من الشيكات امام دائرة تنفيذ محكمة عمان الابتدائية بقيمة تجاوزت 3.5 مليون دينار.
وخلال السير باجراءات التنفيذ، طلب مامور التنفيذ تكليف الجهة المطالبة بدفع رسوم طوابع وغرامات طوابع عن كامل السندات المقدمة للتنفيذ، باعتبارها خاضعة لاحكام قانون رسوم طوابع الواردات.
وفي الثاني من تشرين الثاني 2025 قرر قاضي التنفيذ عدم تكليف الشركة بدفع تلك الرسوم، الا ان القرار لم يستمر سوى ايام قليلة، اذ ورد كتاب من وزير العدل مرفقا بكتاب سابق صادر عن وزير المالية عام 2016 يتعلق بالية استيفاء رسوم الطوابع عن الشيكات عند طرحها امام دوائر التنفيذ.
وعلى ضوء ذلك، عاد قاضي التنفيذ بتاريخ 9 تشرين الثاني 2025 وتراجع عن قراره السابق، مستندا الى التفسير الذي تبنته وزارة المالية، والذي يعتبر ان الشيك يعد اداة وفاء معفاة من الرسوم عند تقديمه مباشرة للبنك، لكنه يتحول الى اداة ائتمان عند اللجوء الى القضاء لتحصيل قيمته، ما يجعله خاضعا لرسوم طوابع الواردات اسوة بالكمبيالات.
واعتبرت الشركة ان هذا التفسير يفرض عبئا ماليا اضافيا على الدائن، اذ يجد نفسه مطالبا بدفع رسوم جديدة بسبب عدم التزام المدين بالوفاء بقيمة الشيك.
المحكمة الدستورية تحسم مسالة الاختصاص
بعد رد الاستئناف وتاييد قرار قاضي التنفيذ من قبل محكمة بداية عمان بصفتها الاستئنافية في كانون الاول 2025، تقدمت الشركة بمذكرة دفع بعدم دستورية التفسير المعتمد للمادتين 3 و10 من قانون رسوم طوابع الواردات.
واستندت الشركة في دفوعها الى ان التفسير المعتمد يمس مبادئ دستورية تتعلق بالمساواة والعدالة القضائية وحماية الملكية الخاصة، كما اعتبرت ان وزير المالية لا يملك صلاحية تفسير النصوص القانونية، لان الدستور منح هذه المهمة للديوان الخاص بتفسير القوانين ضمن شروط محددة.
وفي السادس من كانون الثاني 2026 قرر قاضي التنفيذ احالة الدفع الى المحكمة الدستورية ووقف السير بالدعوى لحين الفصل بالطعن.
وعند نظر القضية، لم تبحث المحكمة الدستورية في مدى صحة تفسير وزارة المالية او مدى انسجامه مع مبادئ العدالة والمساواة، بل ركزت على نقطة جوهرية تتعلق بالاختصاص الدستوري.
واكدت المحكمة في حيثيات حكمها ان اختصاصها يقتصر على الرقابة على دستورية القوانين والانظمة النافذة وتفسير نصوص الدستور، ولا يمتد الى مراجعة الاحكام القضائية او التفسيرات التي تعتمدها المحاكم والجهات المختصة عند تطبيق القانون.
وبينت المحكمة ان الجهة الطاعنة لم تطعن بدستورية نصوص قانون رسوم طوابع الواردات ذاتها، وانما اعترضت على الطريقة التي جرى بها تفسير هذه النصوص وتطبيقها، وهو امر يخرج عن نطاق اختصاصها.
وشددت المحكمة على مبدأ قانوني مهم مفاده ان الخطا في تاويل النصوص القانونية او تطبيقها لا يجعل النص مخالفا للدستور ما دام النص القانوني سليما في ذاته.
كما اوضحت ان تفسير المحاكم للنصوص القانونية يظل جزءا من العمل القضائي الطبيعي، ويخضع لطرق الطعن القضائية المعتادة امام المحاكم الاعلى درجة، ولا يمكن اعتباره نصا قانونيا مستقلا قابلا للطعن امام المحكمة الدستورية.
واشارت المحكمة كذلك الى ان كتب وتعليمات وزارة المالية المتعلقة بتطبيق القانون تعد اجراءات ادارية وليست قوانين او انظمة نافذة تخضع للرقابة الدستورية.
وفي ختام حكمها، قررت المحكمة الدستورية رد الطعن كاملا لعدم الاختصاص، لتبقى مسالة اخضاع الشيكات المطروحة للتنفيذ لرسوم الطوابع محل نقاش قانوني بين المختصين، في وقت يرى فيه البعض ان الامر يرتبط بحقوق الدائنين وكلفة الوصول الى العدالة وتحصيل الحقوق المالية عبر القضاء.
