في تحول مفاجئ هز أروقة التكنولوجيا، أعلن تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة آبل، تنحيه عن منصبه بعد أكثر من خمسة عشر عاما قضاها في قيادة الشركة العملاقة، وذلك عقب وفاة مؤسسها الأسطوري ستيف جوبز، وقد سلم الراية إلى جون تيرنوس، الذي كان يشغل منصب رئيس قسم هندسة الأجهزة في الشركة.
وسيبدأ عصر تيرنوس الجديد كرئيس تنفيذي للشركة في مطلع شهر سبتمبر المقبل، بالتزامن مع طرح الجيل الجديد من أجهزة "آيفون 18"، ليكون هذا الجهاز أول منتجات فترته الرئاسية الجديدة.
وبهذا، ينتهي عصر أحد أبرز قادة شركات التقنية في وادي السيليكون، حيث استطاع كوك مضاعفة أرباح الشركة أكثر من أربع مرات لتصل إلى 110 مليارات دولار، والقفز بتقييمها عشرة أضعاف ليتجاوز أربعة تريليونات دولار، وذلك حسب تقرير صحيفة نيويورك تايمز.
تحديات تواجه تيرنوس في قيادة آبل
والسؤال المطروح الآن هو: ماذا يستطيع جون تيرنوس أن يقدم للشركة التي أصبحت في قمة الشركات العالمية؟
واضاف تقرير موقع "آبل إنسايدر" أن جون تيرنوس انضم إلى صفوف مهندسي آبل للمرة الأولى في عام 2001، وترقى في المناصب بشكل سريع حتى أصبح مشرفا على تطوير أجهزة "ماك" المختلفة وأجهزة "آيباد" بعد ثلاث سنوات فقط من انضمامه للشركة.
وفي عام 2013، انتقل تيرينوس ليصبح نائب رئيس قطاع هندسة الأجهزة في الشركة، ثم انتقل ليصبح رئيس قسم هندسة الأجهزة في عام 2021.
ويمكن القول إن تيرنوس كان له دور بارز في ظهور حواسيب "آيباد" بالشكل الذي نعرفه اليوم، إلى جانب طرح المزيد من أجهزة "ماك"، وتحديدا الانتقال من معالجات "إنتل" إلى المعالجات التي تصنعها آبل بنفسها.
تفاؤل حذر يرافق تولي تيرنوس للقيادة
لذلك ينظر البعض إلى تيرنوس على أنه رجل تقني من الطراز الأول، إذ انضم للشركة كمهندس واستمر بالعمل بالقرب من فرق الهندسة وصناعة الأجهزة داخل آبل حتى وصوله إلى الجناح التنفيذي.
واكد تيرنوس أنه متفائل للغاية بشأن ما يمكن تحقيقه خلال السنوات المقبلة، مضيفا: "أعدكم بقيادة وفقا للقيم والرؤية التي ميزت هذا المكان"، وذلك أثناء حديثه مع "نيويورك تايمز".
وسيستلم تيرنوس مقاليد حكم آبل في فترة تشهد نجاحا كبيرا للشركة، رغم وجود العديد من التحديات التي تقف أمامها، وربما كان أبرزها تحدي تقنيات الذكاء الاصطناعي ومحاولة دمجها في أجهزتها.
الذكاء الاصطناعي.. التحدي الأكبر أمام خليفة كوك
ومازالت مساعي آبل في قطاع الذكاء الاصطناعي لم تكلل بعد بالنجاح المطلوب، كونها لم تكشف بعد عن النسخة النهائية من "سيري" المعززة بالذكاء الاصطناعي التي وعدت بها منذ عدة سنوات.
كما خسرت الشركة جزءا من إدارتها التنفيذية خلال الشهور الماضية، مما يترك المستثمرين قلقين بشأن مستقبل الشركة وخطة تيرينوس طويلة الأمد لها.
وتواجه آبل كذلك عدة تحديات سياسية متمثلة في الضرائب التي تفرضها إدارة الرئيس الامريكي دونالد ترمب على الواردات من الصين، فضلا عن التوترات السياسية مع الصين بشكل عام التي تمثل المصنع الأكبر والأبرز لأجهزة الشركة.
لماذا الآن؟ الأسباب الخفية وراء استقالة كوك
وفي المقابل، يتخلى تيم كوك عن منصبه في وقت حرج بالنسبة للشركة بسبب الترقب الكبير الذي يحيط بمنتجاتها وخدماتها المستقبلية، بدءا من الهواتف القابلة للطي والذكرى العشرين لطرح أجهزة "آيفون"، فضلا عن تقنيات الذكاء الاصطناعي التي تأخرت فيها حتى الآن.
وبين تقرير لـ"غارديان" أن كوك أمضى خمسة عشر عاما تقريبا رئيسا تنفيذيا لشركة آبل خلفا للراحل ستيف جوبز المؤسس المشارك للشركة، إذ تولى المنصب في عام 2011 عندما كان يبلغ من العمر 50 عاما، واتبع نهج جوبز بشكل مكثف.
ورغم النجاحات الكبيرة التي حققها، إلا أن فترته الرئاسية شهدت مجموعة من الإخفاقات في العتاد والبرمجيات، وربما كانت أزمة الذكاء الاصطناعي أبرزها، ولكن لا يجب تجاهل الإطلاق السيئ والاستقبال الضعيف لخوذ الواقع الافتراضي "فيجن برو" التابعة للشركة.
ضغوط المستثمرين وتطلعات المستقبل
ويشير تقرير صحيفة "غارديان" إلى أن كوك عمل جاهدا لتعظيم أرباح الشركة والحفاظ عليها من التضخم والتقلبات السوقية، وذلك عبر تأسيس سلاسل توريد رائدة ومحكمة لا تترك الشركة في مهب الرياح.
وبين تقرير منفصل من "رويترز" أن الضغط الكبير الذي تخضع له إدارة آبل من قبل المستثمرين بسبب التأخر في طرح تقنيات الذكاء الاصطناعي ومواكبة المنافسين ربما كان جزءا من الأسباب التي دفعت كوك للتخلي عن منصبه وتركه لمن يستطيع مواكبته.
وفي سياق متصل، يشير تقرير من هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إلى أن آبل أصبحت شركة تقليدية تفتقر للإبداع الذي كان حاضرا في عصر جوبز، ويمثل اختيار تيرنوس محاولة من مجلس إدارة الشركة للعودة إلى هذا الإبداع عبر ترك مهمة القيادة لشخص مهتم بالعتاد والتقنية قبل لوجستيات الأعمال كما كان تيم كوك.
هل ينجح تيرنوس في مهمة إنقاذ آبل؟
ويشير بيان آبل إلى أن تيم كوك لن يترك الشركة بشكل كامل، بل سيتولى منصب شرفي كجزء من الخطة الانتقالية التي وضعتها الإدارة منذ عدة سنوات.
ويذكر أن كوك كان قد صرح في مقابلة سابقة أنه لن يستمر في قيادة آبل لمدة عشر سنوات أخرى، حسب تقرير نشره موقع "ماك رومرز" التقني الامريكي.
لم يستطع تيم كوك خلال فترة قيادته تقديم تقنية الذكاء الاصطناعي بالشكل الذي وعد به سابقا في مؤتمر المطورين السنوي للشركة عام 2024، أو حتى أن يقترب مما وعد به، وهي عقبة يجب على تيرنوس تخطيها أولا قبل النظر إلى مستقبل الشركة.
توقعات بشأن مستقبل آبل تحت قيادة تيرنوس
ويشير تقرير منفصل نشرته وكالة "سي إن بي سي" الإخبارية إلى أن أثر تيرنوس الأكبر في آبل سيظهر في تقنيات الذكاء الاصطناعي الجديدة التي ستقدمها، بما فيها الاعتماد المباشر على "جيميناي" كنواة لهذه التقنية.
ويرى تيموثي هوبارد الأستاذ مساعد في الإدارة بجامعة نوتردام أن اختيار مجلس إدارة آبل لجون تيرنوس، وهو رجل العتاد الأول في الشركة، يعكس إيمانها بأهمية العتاد المغلق في تشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو الأمر الذي ركزت عليه آبل بشكل مكثف خلال السنوات الماضية.
وتجدر الإشارة إلى أن آبل أيضا تقف على أعتاب حقبة جديدة في أجهزتها الموجهة للمستخدمين، بدءا من تقديم "آيفون القابل للطي" خلال هذا العام وحتى تقديمها لحاسوب "ماك بوك نيو" الاقتصادي في الشهور الماضية، وهي منتجات لم تكن معهودة من الشركة في السابق، وهو ما يجعل تيرنوس الرجل المناسب للمهمة، فهو في النهاية رجل عتاد في المقام الأول.
ولكن، في النهاية يقع على عاتق تيرنوس اختيار المسار الذي تسير فيه خدمات الشركة ومنتجاتها المستقبلية، فبينما ركزت آبل خلال السنوات الماضية على الخصوصية أولا، لكنها تقف اليوم أمام مفترق طرق بسبب الذكاء الاصطناعي، فهل ترخي الشركة قبضتها وتترك المجال لتقنيات الذكاء الاصطناعي، أم ستتبع النهج ذاته وتقوض الذكاء الاصطناعي بسبب مخاوف الخصوصية؟
