عاد وزير الشؤون الخارجية الجزائري احمد عطاف من العاصمة السويسرية بيرن بعد زيارة استغرقت ثلاثة ايام، بتعهد قوي من المسؤولين هناك بتسريع اجراءات ما يعرف بـ«استرجاع الاموال المنهوبة»، وذلك بعد تقييم شامل ومعمق لمختلف ابعاد العلاقات الثنائية.
ويطلق تعبير «الاموال المنهوبة» على ودائع يشتبه في انها ناتجة عن فساد مالي، حولها مسؤولون جزائريون ابان العهد السابق الى ملاذات ضريبية وبنوك في دول اجنبية، من بينها سويسرا.
ولم تعلن باستفاضة تفاصيل الزيارة التي اختتمت الجمعة، غير ان بيانا مقتضبا للخارجية الجزائرية اشار الى محادثات عطاف مع وزير الخارجية السويسري اينياتسيو كاسيس تناولت «تعزيز الحوار السياسي، وتوطيد الشراكة الاقتصادية، وتثمين البعد الانساني لعلاقات التعاون بين البلدين».
تطوير التعاون الثنائي بين الجزائر وسويسرا
واشار البيان الى «الاتفاق على استحداث الية مؤسساتية تعنى بتطوير التعاون الثنائي، وتدعيم الاطار القانوني المنظم للعلاقات البينية، وذلك بما ينسجم مع الاولويات التي سيتم تحديدها بصفة مشتركة».
ومن جهتها ذكرت وزارة الخارجية السويسرية في بيان ان المحادثات تطرقت الى «التعاون الامني والقضائي، حيث ابدى المسؤولان ارتياحهما لتوقيع مذكرة تفاهم ساهمت في تكثيف تبادل المعلومات والتعاون الشرطي».
ونقل البيان اشادة الوزير الجزائري بسويسرا لتعاونها في مجال المساعدة القضائية المتبادلة في المسائل الجنائية، كما نقل البيان نفسه تعهد رئيس الدائرة الفيدرالية للعدل والشرطة، بيت جانز، باعادة الاصول التي يثبت مصدرها غير القانوني الى اصحابها الجزائريين.
قضية استرجاع الأموال المنهوبة في صلب المباحثات
واكدت مصادر صحافية ان قضية «استرجاع الاموال المنهوبة»، المرتبطة بفترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة (1999 – 2019)، كانت من ابرز المسائل التي بحثها عطاف في سويسرا، حيث يعتقد ان شخصيات من النظام وافرادا من عائلاتهم يملكون اصولا هناك تخضع لتحقيقات قضائية في الجزائر تتعلق بقضايا فساد تورط فيها، على وجه الخصوص، وزراء ومسؤولون سابقون.
في السنوات الاخيرة، سارعت الجزائر الخطى لملاحقة الاصول المالية المهربة في سويسرا، حيث تشمل المطالب القضائية التحفظ على ودائع مصرفية تخص نسيم ولد قدور، نجل المدير العام الاسبق لمجمع «سوناطراك» للمحروقات المملوك للدولة، في اطار تحقيقات مرتبطة بقضايا فساد كبرى، من ابرزها ملف صفقة مصفاة «اوغستا».
ورغم هذه المساعي، اقر وزير العدل الجزائري السابق رشيد طبي بوجود تحديات وعراقيل حالت دون تحقيق استجابة سريعة من بعض العواصم، مرجعا بطء التجاوب الدولي الى تعقيدات الانظمة القضائية الاجنبية وتداخل الاجراءات القانونية العابرة للحدود، وهو ما قال انه يتطلب تنسيقا اعمق لتجاوز هذه العقبات الاجرائية.
اختراق لافت في الساحة السويسرية
وفي هذا السياق، احرزت الجهود الدبلوماسية والقضائية الجزائرية اختراقا لافتا في الساحة السويسرية عام 2023، تمثل في نجاح القضاء الجزائري في اقناع المحكمة الجنائية الفيدرالية السويسرية بتثبيت الحجز على ارصدة مالية تخص وزير الصناعة السابق عبد السلام بوشوارب في بنك بجنيف بقيمة تقارب 1.7 مليون يورو.
وقدم بوشوارب طعونا لالغاء التحفظ على وديعته، دون جدوى، حيث يرجح انه تم تسليمها للجزائر.
كما تلاحق السلطات الجزائرية ودائع مصرفية اخرى مرتبطة بقضايا فساد كبرى، من بينها قضايا تخص وزير الطاقة السابق شكيب خليل، المتهم بتهريب اموال تقدر بنحو 200 مليون دولار، كعمولات ورشى مرتبطة بصفقات النفط والغاز مع شركة «ايني» الايطالية، خلال الفترة من 2010 الى 2012.
وحكم على بوشوارب غيابيا بالسجن 20 سنة سجنا نافذا؛ وهو يعيش حاليا في فرنسا، حيث رفض القضاء هناك تسليمه الى الجزائر لـ«عدم توفر ضمانات المحاكمة العادلة» حسبما ذكر، كما ادين خليل بالعقوبة نفسها، وهو مقيم حاليا في الولايات المتحدة، ولا يعرف ما اذا كانت حكومتها قد تلقت طلبا من الجزائر لتسليمه.
تفعيل المساعدة القضائية المتبادلة
وكان وزير العدل والشرطة السويسري جانز قد قال في تصريحات صحافية خلال زيارته الجزائر في يونيو ان بلاده «عازمة بصدق على التعاون مع السلطات الجزائرية في مجال مكافحة الفساد وغسل الاموال»، وشدد على انها لا ترغب في ان تكون ملاذا لاموال ناتجة عن انشطة غير مشروعة.
واوضح الوزير السويسري ان عملية استرجاع الاصول «ليست مجرد قرار سياسي، بل هي مسار قانوني تقني معقد يخضع للتشريع السويسري والمعايير الدولية»، واشار الى «ضرورة استكمال الاجراءات القضائية وتقديم ادلة وقرارات محاكم نهائية تثبت الاصل الاجرامي للاموال».
وفهم من كلامه ان سويسرا لن تقدم على اي خطوة فيما يخص تسليم «الاموال المنهوبة» لصالح الجزائر، ما لم يصدر القضاء الفيدرالي احكاما نهائية بهذا الخصوص.
كما تناول جانز في تصريحاته «تفعيل المساعدة القضائية المتبادلة» بين البلدين، داعيا الى تعزيز التنسيق بين الهيئات القضائية في الجزائر وسويسرا لتسريع معالجة الانابات القضائية وتقليص الفوارق الاجرائية بين النظامين القانونيين.
وفي اطار التعاون مع دول غربية تعد ملاذا لاموال عامة تم تحويلها من الجزائر، افادت صحيفة اسبانية في اكتوبر الماضي بان فندقا يقع في مدينة برشلونة كان مملوكا لرجل الاعمال الجزائري علي حداد، المحكوم عليه في قضايا فساد، اصبح ضمن املاك الدولة الجزائرية.
واكدت الصحيفة ان الامر يتعلق بفندق «ال بالاس دي برشلونة»، الذي انتقلت ملكيته الى «الصندوق الوطني للاستثمار» الجزائري خلال شهر اغسطس الماضي، وذلك عبر الية «الدفع مقابل الدين»، بحسب ما اوردته الصحيفة.
وكشف الرئيس عبد المجيد تبون، في خطاب القاه امام القيادة العسكرية بوزارة الدفاع في 10 اكتوبر، عن تمكن الجزائر من استرداد اصول وممتلكات منهوبة ناهزت قيمتها 30 مليار دولار.
وتاتي هذه النتائج تتويجا لمسار قانوني شهدته الجزائر سنة 2022، حيث كثفت ارسال الانابات القضائية الى عشرات العواصم لملاحقة ممتلكات وارصدة مسؤولين كبار ورجال اعمال من العهد السابق.
