تواجه الدبلوماسية الفرنسية تحديات متزايدة في كيفية التعامل مع إسرائيل في ظل تصاعد التوترات بين الجانبين منذ صيف العام الماضي، وذلك عندما سعت فرنسا بالتعاون مع المملكة العربية السعودية لعقد قمة في الأمم المتحدة لإعادة إحياء حل الدولتين باعتباره السبيل الوحيد لإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وأدى هذا المسعى إلى توتر العلاقات بين باريس وتل أبيب، حيث عملت إسرائيل بكل الطرق وبدعم أمريكي لتعطيل هذه الجهود.
لكن القمة التي كان من المقرر عقدها في يوليو تأجلت إلى سبتمبر بسبب الحرب التي شنتها إسرائيل وأمريكا على إيران، وازداد الغضب الإسرائيلي تجاه فرنسا ليس فقط بسبب اعترافها بالدولة الفلسطينية، بل لنجاحها في حث دول غربية أخرى على اتخاذ نفس الخطوة. واضاف هذا ما فعلته بريطانيا والبرتغال وبلجيكا وأستراليا وكندا، فضلا عن تأييد أكثر من 130 دولة في الأمم المتحدة للخطة التي أقرت للسير نحو إقامة الدولة الفلسطينية. ومنذ ذلك الحين، توترت العلاقة مع إسرائيل، التي لم تتردد في توجيه انتقادات غير مسبوقة للدبلوماسية الفرنسية والرئيس إيمانويل ماكرون شخصيا.
وخلال الأشهر التي تلت ذلك، سعت فرنسا إلى إصلاح العلاقات مع تل أبيب، وكشفت صحيفة لوموند أن ماكرون سعى إلى التوسط من خلال عدد من الشخصيات لرأب الصدع مع إسرائيل. وبين هؤلاء أوفير روبنشتاين، أحد مؤسسي المنتدى الدولي للسلام، الذي يتمتع بعلاقات صداقة واسعة في إسرائيل.
مساعي فرنسية لترميم العلاقات مع إسرائيل
لم تتوقف الأمور عند هذا الحد، فبعد الضجة التي أثارتها إسرائيل بسبب قرار منع شركاتها الدفاعية من المشاركة في معرضين عسكريين، أهمهما معرض باريس للطيران في يونيو، ومعرض لاحق أقل أهمية، سمحت الحكومة الفرنسية لها بالحضور في معرض الأمن الداخلي في الخريف الماضي. واكثر من ذلك، دافعت فرنسا عن مشاركة إسرائيل في مسابقة الأغاني الأوروبية المعروفة باسم يوروفيجن.
وفي البيانات الصادرة عن الخارجية الفرنسية بشأن الانتهاكات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية ولبنان، وكذلك الاعتداءات التي استهدفت الممتلكات الفرنسية في الضفة الغربية، اتبعت باريس نهجا معتدلا. ومن الأدلة على ذلك أن وزير الخارجية جان نويل بارو واجه حرجا في مقابلة صحفية عندما سئل عما إذا كان رد فعل إسرائيل العسكري في لبنان غير متوازن، لكنه تهرب من الإجابة الواضحة. وبالمقابل، لم يتردد في المطالبة بإقالة فرانشيسكا ألبانيز، المقررة الخاصة للأراضي الفلسطينية، بناء على تصريحات نفتها الأخيرة، وقام بارو بتوجيه طلب رسمي للأمين العام للأمم المتحدة بهذا الخصوص.
لفرنسا تاريخ طويل الأمد مع لبنان، وبعد عودة الحرب في مارس الماضي بين حزب الله وإسرائيل، حرصت باريس على إجراء سلسلة واسعة من الاتصالات عالية المستوى لاحتواء الموقف. وطالب الرئيس الفرنسي وبارو، بعد إدانة حزب الله وتحميله مسؤولية التصعيد، إسرائيل بعدم استهداف المدنيين والبنى التحتية، أو شن حملة عسكرية واسعة للسيطرة على أراض لبنانية واحتلالها. لكن ما حدث هو أن إسرائيل لا تولي أي اهتمام للمطالب الفرنسية، علما بأن باريس تبنت بقوة خطط الحكومة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله والتفاوض المباشر مع إسرائيل، بل طرحت ورقة بهذا المعنى واقترحت استضافة المفاوضات.
زيارة وزير الخارجية الفرنسي إلى إسرائيل
والواقع أن أعداد القتلى والجرحى من المدنيين في لبنان تقارب أربعة آلاف شخص، وتدمير البنى التحتية مستمر على قدم وساق، ووزير الدفاع الإسرائيلي يريد احتلال كامل المنطقة الممتدة من الحدود إلى نهر الليطاني. وسارعت إسرائيل إلى رفض الورقة الفرنسية، وتأكيد أن هدفها اليوم ليس التفاوض، بل تدمير حزب الله، وهي تحظى بدعم أمريكي.
وعند زيارته لإسرائيل في مارس، بعد محطته الأولى في بيروت، لم يحصل بارو على شيء من نظيره جدعون ساعر. واللافت أن خبر زيارته لم يكشف إلا متأخرا، وتفيد تقارير متداولة في باريس بأن تل أبيب لم تكن متحمسة لهذه الزيارة. كذلك، فإن زيارة أليس روفو، الوزيرة المفوضة في وزارة الدفاع التي زارت بيروت الثلاثاء، إلى إسرائيل كانت موضع أخذ ورد، وتم تداول أخبار عن رفض إسرائيلي لاستقبالها.
وحقيقة الأمر أن العلاقات تدهورت بين الجانبين في الأسابيع الأخيرة، وما فاقم من تصعيدها الاعتداءات الإسرائيلية على قوة اليونيفيل الدولية في جنوب لبنان، والتي دأبت فرنسا على إدانتها باعتدال. لكن مقتل ثلاثة جنود إندونيسيين في الأيام الأخيرة، واستهداف الجيش الإسرائيلي الأحد وحدة من القوة الفرنسية، ومن بينها الجنرال الفرنسي بول سانزي، قائد فرقة التدخل السريع المشكلة من جنود فرنسيين وفنلنديين، قرب المقر العام لليونيفيل في الناقورة، عظم غيظ فرنسا التي طالبت باجتماع طارئ لمجلس الأمن. وليس سرا أن تل أبيب تريد ترحيل اليونيفيل باعتبارها تعيق تحركاتها ولكونها الرقيب الذي يوثق الاعتداءات الإسرائيلية منذ عشرات السنوات، علما بأن أول قوة دولية أرسلت إلى جنوب الليطاني تعود للعام 1978، وكانت الوحدات الفرنسية دائمة الحضور فيها.
تدهور العلاقات وتصاعد التوتر
وفي الأيام الأخيرة، زادت العلاقات الثنائية توترا، فالرئيس الأمريكي دونالد ترمب أشعل فتيل أزمة إضافية بإعلانه أن فرنسا لم تسمح للطائرات الأمريكية المتجهة إلى إسرائيل والمحملة بمعدات عسكرية بالتحليق فوق أراضيها. وأضاف لقد كانت فرنسا قليلة المساعدة جدا فيما يتعلق بـ جزار إيران الذي تم القضاء عليه بنجاح، وستتذكر الولايات المتحدة ذلك.
وأعقب ذلك تصريح لوزارة الدفاع الإسرائيلية جاء فيه أن إسرائيل قررت وضع حد كامل لمشترياتها الدفاعية من فرنسا من خلال إعادة توجيه هذه الأموال لشراء معدات إسرائيلية أو نحو دول حليفة. وبينت الوزارة المذكورة أن الحرب على إيران تساهم في توفير الأمن لأوروبا.
ووفق المقاربة الإسرائيلية، فإن وقف المشتريات يعد عقابا لفرنسا على موقفها.
موقف فرنسا المتردد
إزاء هذه الحملة، سارعت باريس للتأكيد على أمرين: الأول: إنها لا تبيع أسلحة لإسرائيل. وقد أثيرت هذه المسألة بعد أكتوبر 2023، وقتها نفى سيباستيان لوكورنو، وزير الدفاع، تزويد إسرائيل بالسلاح، وأن جل ما تبيعه مكونات تستخدم في أنظمة محض دفاعية، في إشارة واضحة للقبة الحديدية الإسرائيلية للدفاع الجوي.
بيد أن تقريرا أرسلته وزارة الدفاع إلى البرلمان يبين أن مشتريات إسرائيل بلغت 162 مليون يورو، يضاف إليها صادرات مزدوجة الاستخدام بقيمة 20 مليون يورو. والثاني: إنها لم تغير قواعد تحليق الطائرات الأمريكية العسكرية في الأجواء الفرنسية أو هبوطها في المطارين الفرنسيين، وتحرص باريس على القول إن التسهيلات معطاة لطائرات لا تشارك مباشرة في العمليات الحربية في إيران. ووفق ما نشر، فإن طائرات إعادة التزود بالوقود هي التي تحط في المطارين الفرنسيين.
هذا هو حال الدبلوماسية الفرنسية: رغبة في لعب دور في منطقة تعتبرها باريس رئيسة بالنسبة لمصالحها، وهي راغبة في التزام سياسة مستقلة، لكنها في الوقت عينه لا تريد القطيعة مع إسرائيل وتكتفي غالبا بالإدانات التي لا تسمن ولا تغني عن جوع، وحتى اليوم لم تتوقف المبيعات العسكرية لإسرائيل وإن كانت محدودة.
ورغم السقف المرتفع في التنديد بما يحصل في الضفة الغربية على أيدي المستوطنين، فإن ما قامت به فرنسا لا يتعدى العقوبات الفردية الرمزية بحق أشخاص معدودين، فيما ترفض فرنسا فرض عقوبات تجارية واقتصادية على إسرائيل بحجة أن هذه العقوبات يجب أن تكون أوروبية، بينما عمدت دول أوروبية إلى فرضها فرديا.
