لم يعد الحديث عن تجسس التطبيقات مجرد فرضية بل واقعا اقتصاديا ملموسا يسمى برأسمالية المراقبة، وتشير البيانات الحديثة الى ان سوق البيانات الضخمة الناتج عن تتبع المستخدمين تجاوز 350 مليار دولار، حيث يتم بيع وشراء تفضيلاتك الشخصية في مزادات فورية خلال اجزاء من الثانية بمجرد فتحك لاي تطبيق.

ووفقا لتقرير الشفافية الصادر عن شركة ابل والمنصة التقنية اب سنسوس، فان التطبيقات المجانية ليست مجانية حقا، فقد وجد الباحثون ان نسبة كبيرة من تطبيقات اندرويد واي او اس تحتوي على ادوات تتبع برمجية مخفية.

والاخطر من ذلك ما كشفت عنه دراسة جامعة اكسفورد البريطانية للمراقبة الرقمية، حيث اكدت ان التطبيق المتوسط يشارك بياناتك مع عدد كبير من الشركات الطرف الثالث بمجرد تثبيته وقبل حتى انشاء حساب لك.

كيف تتجاوز التطبيقات حواجز الخصوصية؟

وليس الحديث هنا عن اسم المستخدم او بريده الالكتروني فقط، بل يتعدى ذلك الى البصمة السلوكية الحيوية، حيث تبين ان الخوارزميات الحالية قادرة على تحديد هويتك بدقة عالية اعتمادا على طريقة تفاعلك مع الشاشة ومستشعرات الحركة.

وبين خبراء الامن السيبراني في جامعة ستانفورد الامريكية، ان التجسس لم يعد يعتمد على طلب الاذن المباشر بل انتقل الى ما يسمى بالاستدلال الاستنتاجي.

واضاف الخبراء ان هناك اليات خطيرة تعمل في خلفية هاتفك الان، منها استغلال مستشعرات الحركة وتقنية منارات الموجات فوق الصوتية وبصمة الجهاز العميقة.

اليات التجسس الحديثة في التطبيقات

واظهرت تقارير مختبرات سيتيزن لاب الكندية ان التطبيقات لا تحتاج الى اذن الميكروفون لتعرف مكانك وماذا تفعل، حيث يمكنها الوصول الى مقياس التسارع والجيروسكوب، وهي مستشعرات لا تتطلب اذنا في معظم الانظمة ولكنها تكشف عن نمط مشيتك وسرعة تنقلك.

وتستخدم بعض التطبيقات تقنية منارات الموجات فوق الصوتية لربط هويتك الرقمية بموقعك الفيزيائي بدقة عالية، حيث تقوم بفتح الميكروفون لالتقاط ترددات فوق صوتية تبثها اجهزة التلفاز او مكبرات الصوت في المتاجر.

واكدت مؤسسة الحدود الالكترونية ان المواقع والتطبيقات تستخدم تقنية الرسم الخفي على معالج الرسوميات الخاص بهاتفك، حيث يطلب التطبيق من هاتفك رسم صورة معقدة جدا في الخلفية وبسبب الاختلافات الدقيقة في تصنيع الرقائق الالكترونية تخرج كل صورة بنمط بكسلات فريد لا يتكرر في اي هاتف اخر.

خطوات عملية لمواجهة تجسس التطبيقات

وبناء على توصيات الوكالة الاوروبية لامن الشبكات والمعلومات، هناك عدة خطوات للتطهير الرقمي المتقدم، منها تفعيل وضع الحماية الصارم واستخدام الهويات المزيفة وتشفير نظام دي ان اس.

وشددت الوكالة على اهمية تفعيل خيار عزل التطبيقات الذي يمنع التطبيقات من قراءة اي بيانات من مستشعرات الهاتف الا بعد طلب اذن صريح، تماما مثل الكاميرا.

واوضحت انه يجب على المستخدم استخدام خدمات مثل اخفاء البريد الالكتروني لانشاء بريد الكتروني فريد لكل تطبيق واذا شعر المستخدم ان تطبيقا ما يسرب بياناته يمكنه قتل هذا الايميل بضغطة واحدة.

نصائح لحماية بياناتك من التتبع

واكدت الوكالة على اهمية تشفير نظام دي ان اس من خلال الدخول الى اعدادات الشبكة في هاتفك واستخدام برايفت دي ان اس، فهذا يمنع مزود خدمة الانترنت والتطبيقات من رؤية عناوين الخوادم التي يتصل بها هاتفك.

واضافت انه يجب اتباع استراتيجية الحد الادنى من الاذونات من خلال الغاء التتبع الشامل في اجهزة ايفون ومراجعة الاذونات المستخدمة في اخر 24 ساعة في اندرويد.

وبينت انه يجب ايضا اتباع استراتيجية التعتيم الرقمي من خلال مسح معرف الاعلانات وضبط حساب جوجل على مسح سجل المواقع والبحث كل 3 اشهر اليا.

استعادة السيطرة على بياناتك الرقمية

ويرى المراقبون انه يجب على المستخدم ان يدرك ان الخصوصية لم تعد مجرد رفاهية تقنية بل هي حق انساني اصيل ومكون اساسي من مكونات الحرية الفردية، وان حجم التغول الذي تمارسه التطبيقات اليوم يضعنا امام مفترق طرق اخلاقي.

واشار المراقبون الى ان المسؤولية لا تقع على عاتق المستخدم وحده بل هي نداء عاجل لصناع القرار والمشرعين لتحديث القوانين لتواكب الذكاء الاصطناعي التنبؤي وبصمات الاجهزة العميقة، حيث لم يعد يكفي ان تطلب الشركات الموافقة على الشروط بل يجب فرض الخصوصية بالتصميم كمعيار الزامي لا يقبل التفاوض.

واختتم المراقبون بالقول انه يجب على المستخدم ان يدرك ان هاتفه الذي يحمله في جيبه هو اقوى اداة تواصل في التاريخ ولكنه قد يكون ايضا اداة المراقبة الاكثر دقة، وايقافها عند حدها لا يعني العزلة التقنية بل يعني الاستخدام الواعي، فالبيانات التي يمنحها مجانا اليوم هي التي ستحدد شكل مستقبله وقراراته غدا.