في ظل الظروف القاسية التي يعيشها قطاع غزة، تحاول النازحات الفلسطينيات ابتكار طرق جديدة لإحياء فرحة عيد الفطر، متحديات بذلك كل الصعاب والتحديات التي تواجههن.

وعشية عيد الفطر، حولت نساء غزة خيامهن في مواصي خان يونس إلى ورش عمل صغيرة لصناعة الكعك والمعمول والفسيخ، وذلك في محاولة لكسب القليل من المال لمساعدة أسرهن وإدخال البهجة على قلوب أطفالهن الذين ينتظرون العيد بلهفة.

وتعكس هذه المبادرات البسيطة إرادة الحياة والصمود في وجه الحصار والإغلاق الإسرائيلي المستمر، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار المواد الخام الذي يثقل كاهل النازحين، الذين يشكلون الأغلبية من بين زهاء مليونين و200 ألف فلسطيني فقدوا كل ما يملكون خلال الحرب.

الاصرار على الفرح

وفي خيمة متواضعة بمنطقة المواصي، تجتمع نساء نازحات حول طاولات خشبية بسيطة وأدوات تقليدية، ليصنعن بأيديهن الكعك والمعمول استعدادا لاستقبال عيد الفطر.

ورغم الظروف الصعبة والبؤس الذي يظهر في عيونهن، فإن نورا أبو عودة ورفيقاتها لا يعتبرن هذا العمل مجرد مصدر رزق، بل هو فعل مقاومة للحزن والحرمان، ورسالة أمل لأطفالهن بأن فرحة العيد ستظل حاضرة رغم كل شيء.

واضافت أبو عودة أن رائحة الكعك والمعمول تفوح من خيمتها، التي تحولت إلى ما يشبه خلية نحل، حيث تؤدي كل امرأة عملها بدقة وإتقان، فمنهن من تعجن الطحين، ومنهن من تشكل المعمول بلمسات ماهرة.

تحديات تواجه الصناع

واوضحت أبو عودة أنها ورثت جودة صناعة الكعك والمعمول عن عائلتها، لكنها ترى أن صناعته اليوم أصعب بكثير مما كانت عليه قبل الحرب، مشيرة إلى ارتفاع أسعار المواد الخام، حيث بات شراء مكوناته من الطحين والسكر والتمر عبئا ثقيلا.

واكدت أن الأسعار أصبحت فلكية، خاصة مع القيود الإسرائيلية التي أعقبت الحرب، مبينة أن أعداد شاحنات البضائع التجارية والمساعدات الإنسانية التي تسمح سلطات الاحتلال الإسرائيلي بدخولها للقطاع قد تراجعت بشكل كبير.

وبينت أبو عودة أن عملها في صناعة الكعك والمعمول، على بساطته وربحه المادي القليل، يمنحها شعورا مريحا بالقدرة على مواجهة الظروف القاسية، ويمنح أطفالها لحظة فرح وسط واقع النزوح المرير.

الفسيخ حاضر في العيد

وفي سياق متصل، لم تستسلم جواهر حمودة، وهي أم لخمسة أبناء فقدت منزلها خلال الحرب، للواقع القاسي وظروف حياة النزوح البائسة، بل استغلت خبرتها في صناعة الفسيخ وبيعه للراغبين، حيث يكثر الطلب عليه في عيد الفطر.

وبينت حمودة أنها خصصت زاوية في مكان إقامتها مع أسرتها لإنتاج الفسيخ بإمكانيات متواضعة، في محاولة منها لتوفير مصدر دخل ولو بسيط يساعد أسرتها على تدبر احتياجاتها اليومية.

واشارت إلى أن هذا العمل ليس وليد الحرب بالنسبة لها، حيث اعتادت لسنوات طويلة إنتاج الفسيخ منزليا لزوجها وأسرتها وبيعه للزبائن والمحال التجارية، لكن الواقع اليوم لا يشبه ما كان عليه قبل الحرب.

قيود على الصيد

وكشفت حمودة أن أسعار الأسماك التي تحولها لفسيخ باهظة للغاية، مما أدى إلى ارتفاع كلفة صناعته وبيعه لأضعاف مضاعفة، مشيرة إلى أن سلطات الاحتلال تفرض قيودا مشددة على الصيادين في غزة، وتمنعهم من دخول البحر لممارسة مهنة صيد الأسماك.

واضافت أنها تستخدم أصنافا من الأسماك المجمدة التي تسمح سلطات الاحتلال بدخولها للقطاع بكميات محدودة وبأسعار مضاعفة، موضحة أنه بسبب الإقبال الموسمي على الفسيخ، فإنها تعمل أيضا في الخياطة لتضيف مصدر رزق آخر يعينها على مواجهة ظروف الحياة البائسة.

وشددت حمودة على أنها لن تستسلم، لأن حياة أسرتها تستحق التعب من أجلها، مؤكدة أن نورا وجواهر نموذجان لنساء فلسطينيات كثر يرفضن الاستسلام ويبتكرن فضاءات عمل صغيرة ليصنعن من تحدي التداعيات القاسية للحرب والحصار فرصة للبقاء واستغلال العيد وكل مناسبة لاستحضار الفرح وإحياء الطقوس التي تبقي الذاكرة الجمعية حية وتحافظ على نكهة الحياة.