في مشهد يجسد الصمود والإيمان، أحيا سكان غزة ليلة القدر، السابع والعشرين من رمضان، بين الأنقاض وتحت خيام النزوح، متحدين آثار الدمار الذي خلفته الحرب، فالمصليات البلاستيكية المؤقتة حلت محل المساجد المدمرة، لتعكس إصرارهم على إحياء هذه الليلة المباركة رغم الظروف القاسية.
ولم تثنِ أصوات الطائرات أو برودة الطقس وانقطاع الكهرباء سكان غزة عن إحياء ليلة القدر، حيث استمروا في صلواتهم ودعواتهم وسط الركام والمصليات البلاستيكية، مؤكدين بذلك صمودهم وتمسكهم بروحانية هذه الليلة الفضيلة.
وبينما تحولت البيوت والشوارع إلى أماكن مؤقتة للعبادة، التف الأطفال حول ذويهم حاملين المصابيح الصغيرة، لينيروا بها الظلام الذي خلفته الحرب، في صورة مؤثرة تجسد الأمل والتحدي.
إصرار على الحياة والروحانية
وعلى الرغم من الخسائر الفادحة في الأرواح والممتلكات، واصل الغزيون إحياء طقوسهم الرمضانية، من صلاة التراويح إلى الدعاء والختم، في محاولة لاستعادة جزء من الحياة الطبيعية والروحانية التي فقدوها، وإرسال رسالة إلى العالم بأن غزة باقية رغم كل التحديات.
ولم تكن ليلة السابع والعشرين هذا العام مجرد ليلة عبادة عادية، بل كانت شهادة حية على قدرة سكان القطاع على الصمود والاستمرار، وعلى استمرار الحياة والروحانية وسط الركام، في مواجهة قسوة الحرب التي سعت إلى محو تاريخهم ومقدساتهم.
وقد عمت مظاهر الفرح والإشادة منصات التواصل الاجتماعي، مع انتشار صور ومقاطع فيديو توثق إحياء سكان غزة ليلة القدر بعد سنوات من المعاناة، نتيجة الحرب التي شهدها القطاع.
عودة ملهمة للحياة الروحية
وأوضح نشطاء أن غزة شهدت عودة ملهمة لحياتها الروحية في ليلة القدر، حيث امتلأت المساجد بالمصلين وامتدت الصفوف إلى الشوارع المحيطة، مشيدين بقدرة سكان غزة على التمسك بالإيمان والصلاة رغم آثار الحروب والدمار، ومؤكدين أن الروح التي تربت على القرآن لا تهزم.
وكتب أحد المدونين أن غزة تعود إلى روحها، فالجدران قد تنهار، لكن الإيمان يظل حصنا لا يقصف، بينما أشار آخر إلى أن هذه الليالي المباركة كانت فرصة للمدينة لتضميد جراحها بالقيام والصلاة، والتأكيد للعالم أن الصلاة والقرآن أقوى من كل قصف وحرب.
كما بين مدونون أن المسجد العمري الكبير في غزة، أقدم مساجد المدينة، والذي استهدفه الاحتلال، يعود اليوم للصلاة بمعرش من النايلون، في لحظة لم يكن أحد يتخيل أنها ستعود.
مشاهد مؤثرة وتحديات مستمرة
ووصف آخرون لحظات مؤثرة، حيث امتلأت المساجد المتبقية في قطاع غزة عن آخرها في ليلة القدر، مشيرين إلى أن هذه المشاهد أعادت المدينة إلى روحها رغم الدمار والخراب.
وكتب أحد النشطاء أن ليلة القدر في غزة مختلفة، فلا يعلو صوت القرآن كما ينبغي، إذ يطغى عليه أزيز الطائرات، الذي يخترق السكون ويبدد الخشوع ويملأ القلوب خوفا وقلقا.
وأشار مدونون آخرون إلى أن الناس خرجوا في غزة هذه الليلة من بين الخيام أفواجا متتابعة، من شيب وشباب وأطفال، إلى ما تبقى من بيوت الله وفوق أنقاض المساجد، لقيام ليلة القدر بعد انقطاع دام سنوات، في مشهد عظيم يعد من أجمل مشاهد هذا العام.
وأضافوا أن الطائرات حلقت على ارتفاعات منخفضة، في محاولة لتعكير صفو العبادة وبث الخوف والقلق في قلوب المصلين، إلا أن السكان واصلوا صلواتهم رغم الضجيج، متمسكين بأمان بيوتهم وبقداسة أماكن عبادتهم.
وشدد مدونون على أن مشهد خروج أهل غزة إلى المساجد وبين الأنقاض لقيام ليلة القدر يمثل رسالة صمود قبل أن يكون مجرد صلاة، فحين تهدد البيوت وتبقى القلوب عامرة بالإيمان، يدرك العالم أن القوة الحقيقية ليست في الطائرات ولا في الضجيج الذي يملأ السماء، بل في إنسان يتمسك بالأمل والعبادة رغم كل شيء.
