في ظل استمرار إغلاق المسجد الأقصى المبارك في مدينة القدس المحتلة منذ 28 فبراير/شباط الماضي. يواصل المقدسيون إصرارهم على التمسك بحقهم في العبادة. حيث يحرصون على التوجه إلى أقرب نقطة ممكنة من المسجد لأداء الصلوات. وغالبا ما تكون هذه النقطة خارج أسوار البلدة القديمة. رغم المضايقات والملاحقات التي يتعرضون لها من قبل سلطات الاحتلال.

ولا تعتبر مشاهد صلاة المقدسيين عند أبواب المسجد أو خارج أسوار القدس التاريخية أمرا جديدا. فقد تكرر هذا المشهد في مناسبات عديدة منذ احتلال القدس عام 1967.

في كل مرة تقوم سلطات الاحتلال بإغلاق أبواب المسجد أو فرض قيود مشددة على الدخول إليه. يتحول محيط المسجد إلى مصليات مفتوحة. حيث يفترش المصلون الطرقات والساحات القريبة. ويحرصون على أداء الصلوات عند عتباته.

كسر الصمت

رغم حالة التوتر والاحتقان المصاحبة للإغلاق الحالي. قرر عدد من المصلين المقدسيين. يرافقهم بعض أهالي الداخل الفلسطيني كسر حاجز الصمت. وتوجهوا في اليوم العاشر من اندلاع الحرب إلى البلدة القديمة. وبعد منعهم من الدخول أدوا صلاتي العشاء والتراويح أمام مقبرة باب الرحمة الملاصقة للمسجد الأقصى.

وفي اليوم التالي. أدى عشرات المصلين صلاتي العشاء والتراويح أمام باب الساهرة. وهو أحد أبواب البلدة القديمة. وذلك بعد منعهم من الدخول. ورغم القمع والتفريق بالقوة والترهيب. صلى العشرات صلاة المغرب أمام باب الساهرة. وبعد تفريقهم. صلى العشرات العشاء والتراويح في ساحة مدرسة الرشيدية المقابلة لباب الساهرة. وسط تمركز للقوات الخاصة عند مدخلها.

وبالتزامن مع هذا الحراك. انطلقت حملة افتراضية لتشجيع كسر الحصار عن الأقصى تحت وسم (#سنفتح_اقصانا). وتزامن انطلاق الحملة مع بيان أصدرته مؤسسة القدس الدولية. دعت من خلاله وزارة الأوقاف الأردنية إلى الإعلان عن فتح المسجد الأقصى. باعتبارها الجهة الوحيدة المخولة بإدارته.

تعبير عن الإرادة

تطرقت المؤسسة في بيانها. إلى أن الأقصى مغلق بقرار الاحتلال. بالتزامن مع العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران. ويسجل بهذا الإغلاق سوابق متتالية بمنع صلاة الجمعة لأسابيع متتالية. ومنع التراويح والاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان. واتجاه الاحتلال لمنع اعتكاف ليلة القدر في السابع والعشرين من رمضان لأول مرة في تاريخ الأقصى أيضا.

واعتبرت مؤسسة القدس في بيانها أن هذا العدوان يُعتبر عملا حربيا من الاحتلال ضد أحد أقدس مقدسات الأمة. بقصد طمس هويته وتحويله إلى هيكل. وفرض السيادة الإسرائيلية عليه. وفرض مرحلة انتقالية من تقسيمه تمهيدا لتهويده بالكامل. وأكدت أن ذريعة حرص الاحتلال على السلامة العامة للمصلين ساقطة ولا يمكن أن يصدقها عاقل.

الجزيرة نت توجهت للباحث المختص في شؤون القدس زياد ابحيص. وسألته عن أهمية وجدوى الصلاة على الأبواب أو عند أقرب نقطة يمكن الوصول إليها خلال إغلاق الأقصى. فأجاب أن الصلاة على الأبواب والأعتاب هي أحد أبسط أشكال التعبير عن الإرادة. بأن المسجد الأقصى مقدس إسلامي خالص. لا يقبل القسمة ولا الاشتراك حتى وإن كان محتلا.

 إعلان رفض

واضاف ابحيص ان هذا تعبير عن إرادة التمسك بالأقصى كأحد أقدس مقدسات المسلمين. وبهويته رغم محاولات الاحتلال الممنهجة لتغيير طابعه وتحويله تدريجيا إلى مقدس مشترك ثم إلى هيكل يهودي.

وبين أن الصلاة على الأبواب تقول إنه حتى وإن كانت القوة الغاشمة تسمح للاحتلال بمحاولة فرض الوقائع فيه. إلا أن هذه القوة لن يُستكان لها. وستبقى تواجهها إرادة تنحاز إلى الحق ولا تخضع للقوة. مهما كان شكل تجلّي هذه الإرادة بسيطا.

واكد أن الصلاة على الأبواب في الوقت عينه إعلان رفض. لأن إجراءات الاحتلال في نظرنا باطلة ولاغية. ونتعامل معها في وعينا وكأنها منعدمة. فنذهب للصلاة فيه حتى وإن أعلن الاحتلال إغلاقه. لأن الاحتلال ببساطة ليس السلطة الشرعية التي تملك أن تقرر فيه. وليس لها الحق في أن تملي القرارات بشأنه.

ثمن الركون للوهم

واوضح أنه حتى وإن حصل وأملَت السلطات المحتلة قراراتها لفترة فإن هذا لا يعطيها الشرعية. وستبقى مرفوضة وساقطة. بل ومنعدمة في وعي أصحاب الأرض. لأنه مسجدهم ولا يملك أحد أن يغلقه دونهم.

ويرى الباحث في شؤون القدس أن شد الرحال والصلاة على الأبواب هي ما يمكن أن يحمي الأقصى. وأن يفرض فتحه إن توافد الآلاف للأقصى وتعاملوا وكأنه مفتوح بالفعل. وهي على بساطتها سلاح فعال ما دامت تُفصح عن إرادة. خصوصا في زمن يظن الاحتلال فيه أنه قتل الروح في الشعب الفلسطيني بحرب الإبادة. وأنه لم يعد أحد يجرؤ على معارضته.

لكنْ إذا  لم يصلّ أحد على الأبواب؟ يجيب ابحيص: سيطمئن الاحتلال لوهم الهيمنة أكثر. وسندفع ثمن وهمه هذا بأن يتمادى في محاولة الحسم والتصفية أكثر. ونفتح الطريق لضرر وألم أكبر يلحق بنا. وأضاف أن هذه حقيقة لها شواهد تاريخية قريبة. فالأقصى عمليا أُغلق أربع مرات في السنوات الـ15 الماضية.

وأشار إلى أنه عام 2015 حين حاول الاحتلال إغلاقه أمام المصلين في الأعياد اليهودية والسماح للمستوطنين حصرا بدخوله. جاءت هبة السكاكين وفرضت عليه أن يتراجع بل وأن يمنع اقتحامات المسؤولين الإسرائيليين لفترة.