في سابقة لم يشهدها تاريخ السينما الفلسطينية، تتجه الأنظار نحو هوليوود، حيث تتنافس ثلاثة أفلام فلسطينية على جوائز الأوسكار، في خطوة يعتبرها الكثيرون بداية لكسر الحصار الثقافي الذي طالما أحاط بالرواية الفلسطينية في السينما العالمية، فقد ظلت هوليوود لعقود طويلة فضاء صعب الاختراق أمام السينما القادمة من الشرق الأوسط.
لكن موسم الجوائز الذي يسبق حفل الأوسكار يبدو مختلفا هذه المرة، إذ وصلت ثلاثة أفلام تحمل الرواية الفلسطينية بصورة مباشرة إلى القائمة المختصرة للأوسكار، وهو ما يدفع الكثيرين في الوسط السينمائي إلى التساؤل حول إمكانية كسر الحصار الثقافي الذي طالما أحاط بسردية فلسطين في السينما العالمية، وأظهرت هذه الأفلام تنوعا في المواضيع والأساليب، مما يعكس غنى التجربة الفلسطينية.
وبين خبراء السينما أن وصول ثلاثة أفلام فلسطينية إلى هذا المستوى من التنافس يمثل إنجازا كبيرا، ويعكس تطورا في نظرة صناعة السينما العالمية إلى القضية الفلسطينية، ويأتي هذا في وقت يشهد فيه العالم اهتماما متزايدا بالقصص الإنسانية التي تعبر عن تجارب الشعوب المختلفة.
رحلة السينما الفلسطينية نحو العالمية
كان تاريخ حضور السينما الفلسطينية في الأوسكار طويلا ومتقطعا، ففي عام 2003 شاركت فلسطين لأول مرة بفيلم "يد إلهية" للمخرج إيليا سليمان، لكن الفيلم لم يصل إلى الترشيح النهائي.
وبعد ثلاث سنوات جاء فيلم "الجنة الآن" للمخرج هاني أبو أسعد ليحقق أول ترشيح فلسطيني في فئة أفضل فيلم أجنبي عام 2006، رغم الضغوط التي مورست حينها على الأكاديمية لتغيير توصيف الدولة في الترشيح، وفي عام 2014 عاد أبو أسعد مجددا بفيلم "عمر" ليحصد الترشيح الفلسطيني الثاني.
وبين نقاد السينما أن هذه الترشيحات مثلت علامات فارقة في تاريخ السينما الفلسطينية، وساهمت في لفت الانتباه إلى القضية الفلسطينية على المستوى العالمي، واكدوا أن هذه الأفلام فتحت الباب أمام المزيد من الأعمال الفلسطينية للوصول إلى العالمية.
"صوت هند رجب".. صرخة طفلة تصل إلى الأوسكار
أحد أبرز هذه الأفلام هو "صوت هند رجب" للمخرجة التونسية كوثر بن هنية، المرشح رسميا لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي، ويستند الفيلم إلى حادثة واقعية حدثت في 28 يناير، عندما أجرت طفلة فلسطينية تبلغ ست سنوات مكالمتها الأخيرة مع الهلال الأحمر الفلسطيني.
ويعتمد فيلم "صوت هند رجب" بشكل أساسي على التسجيلات الصوتية الحقيقية لاستغاثتها ومكالماتها مع طواقم الهلال الأحمر، محولا هذه الذاكرة الصوتية المؤلمة إلى شهادة سينمائية عالمية تدين العنف وتنتصر للإنسان، وأوضحت المخرجة كوثر بن هنية أن الفيلم يهدف إلى إيصال صوت الطفلة هند إلى العالم، وجعل الناس يشعرون بما حدث لها.
واضافت بن هنية أن الترشيح للأوسكار لا يتعلق بها شخصيا بقدر ما يتعلق بالطفلة التي أصبحت رمزا إنسانيا للقصة التي يرويها الفيلم، فبحسب تصريحاتها، حاول العمل أن يجعل الجمهور لا يكتفي بمعرفة ما حدث، بل أن يشعر به أيضا.
"فلسطين 36".. التاريخ يعود إلى الشاشة الفضية
الفيلم الثاني هو "فلسطين 36" للمخرجة الفلسطينية آن ماري جاسر، الذي وصل إلى القائمة القصيرة للأوسكار أيضا، ويستعيد الفيلم فترة تاريخية مهمة من تاريخ فلسطين، إذ تدور أحداثه حول الثورة الفلسطينية ضد الانتداب البريطاني بين عامي 1936 و1939.
ويبرز العمل كواحد من أضخم الإنتاجات السينمائية الفلسطينية، مصورا دور الحقبة الاستعمارية في صياغة واقع المنطقة المعاصر، وبينت المخرجة آن ماري جاسر أنها عملت على المشروع لسنوات، حيث بنت قرية كاملة تعود إلى تلك الفترة وصممت الأزياء والمركبات الخاصة بها.
واشارت جاسر إلى أن الفيلم يهدف إلى تسليط الضوء على فترة مهمة من تاريخ فلسطين، وإظهار مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال، واكدت أن الفيلم يمثل صرخة في وجه الظلم والاستبداد.
"اللي باقي منك".. ملحمة إنسانية عبر الأجيال
الفيلم الثالث الذي يطرح الرواية الفلسطينية في هذا الموسم هو "اللي باقي منك"، أو (كل ما تبقى منك)، للمخرجة الأردنية الأمريكية شيرين دعبيس، ويتتبع الفيلم قصة ثلاثة أجيال من الفلسطينيين تمتد من عام 1948 وحتى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، في ملحمة إنسانية تستكشف كيف تنتقل الذاكرة الجماعية من جيل إلى آخر.
ويقدم الفيلم قراءة درامية لمسار عائلة فلسطينية عبر عقود، حيث تتقاطع قصص الحب والهجرة والذاكرة مع التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها المنطقة، وقد اعتبرت شيرين أن وصول أفلام فلسطينية متعددة إلى موسم الجوائز يعكس أخيرا اعترافا متأخرا بأهمية هذه القصص في السينما العالمية.
واضافت دعبيس أن الفيلم يهدف إلى إظهار الجانب الإنساني من القضية الفلسطينية، وإبراز معاناة الشعب الفلسطيني على مر الأجيال، واكدت أن الفيلم يمثل رسالة أمل وتحدي في وجه الظروف الصعبة.
تحديات التوزيع وحملات الدعم
لم يكن التحدي الأكبر أمام هذه الأفلام فقط في التواصل مع المهرجانات أو الترشيحات، بل في الوصول إلى الجمهور الأمريكي نفسه، فكثير من شركات التوزيع الكبرى في هوليوود فضلت الابتعاد عن هذه الأعمال، ما دفع صناعها إلى التعاون مع شركات صغيرة مستقلة.
وتعكس تلك الصعوبات معركة أكبر تخوضها السينما الفلسطينية في السوق الأمريكية، حيث يمكن للأفلام أن تحقق حضورا نقديا كبيرا في المهرجانات لكنها تواجه عراقيل عند محاولة الوصول إلى دور العرض أو المنصات الرقمية، وقد أثيرت هذه القضية بقوة عندما أزيلت عشرات الأفلام الفلسطينية من مكتبة منصة نيتفليكس عام 2024.
وفي مواجهة هذه الصعوبات ظهرت حملات تضامن واسعة من نجوم السينما العالمية لدعم هذه الأفلام، فقد شارك عدد من الممثلين والمخرجين في حملة "توكينغ باليستاين 36″، التي دعت إلى دعم الفيلم الفلسطيني وإتاحة عرضه عالميا.
لحظة تاريخية بالأرقام
تكشف الأرقام المرتبطة بهذا الموسم السينمائي عن تحول واضح، فوجود ثلاثة أفلام فلسطينية في القائمة المختصرة للأوسكار في عام واحد يمثل رقما غير مسبوق في تاريخ الجائزة، ويعد ترشيح كوثر بن هنية للأوسكار حدثا لافتا، إذ يعد الأول من نوعه لمخرجة عربية.
ويمثل الحدث الفلسطيني السينمائي تطورا سينمائيا، ويعلن بوضوح أن الرواية الفلسطينية لم تعد مجرد "استثناء" عابر، بل أصبحت صوتا أصيلا وراسخا في قلب المشهد السينمائي العالمي، وعندما تُوزع جوائز الأوسكار في مسرح دولبي بهوليوود قد يكون الترشيح نفسه أهم من النتيجة.
فمجرد وصول هذه الأفلام إلى هذا المنبر العالمي يعني أن القصص التي ظلت لسنوات طويلة على هامش السينما العالمية بدأت تجد طريقها أخيرا إلى مركزها، وبين فنانون ومثقفون أن هذه اللحظة التاريخية تمثل انتصارا للسينما الفلسطينية، وتعكس تطورا في نظرة العالم إلى القضية الفلسطينية.
