داخل حاوية صغيرة تم تحويلها إلى مكتب متواضع قبالة المحكمة الشرعية بمدينة غزة، يبدأ علاء الدين العكلوك، رئيس التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية، يومه مبكرا، حيث يعج المكتب بالزوار الذين يحملون شكاوى ومواعيد لجلسات صلح لا تنتهي.

وما هي إلا لحظات حتى استقبل العكلوك المختار يحيى الكفارنة، رئيس لجان الإصلاح في التجمع بمحافظة شمال قطاع غزة، وذلك لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاق ينهي قضية قتل.

وبدأت الحكاية، كما يروي الكفارنة، بخلاف بسيط بين نازحين تطور إلى شجار ثم إطلاق نار أودى بحياة أحدهم.

دور العشائر في تسوية النزاعات

وعقدت لجان الصلح جلسات مكثفة بين عائلتي القاتل والقتيل، وانتهت إلى اتفاق يقضي بدفع دية مغلظة قدرها 54 ألف دينار أردني (نحو 76 ألف دولار) لذوي القتيل.

وبعد أن أنهى مكالمة هاتفية، قال الكفارنة للجزيرة نت إنه كان يجري اتصالات تتعلق بالتحضير لحفل الصلح و"إخراج القاتل من السجن".

ويكشف الكفارنة أنه يتابع حاليا 37 قضية، بعضها على خلفيات قتل، من بينها قضية بدأت بشجار بين عائلتين بالعصي قبل أن تنتهي بإطلاق نار تسبب في وفاة شخص عن طريق الخطأ.

وفي هذه القضية، قررت لجنة الصلح دفع 20 ألف دينار أردني (نحو 28 ألف دولار) كدفعة أولية قبل إحالتها إلى لجنة شرعية للبت فيها، مضيفا: "ننتظر ماذا تقرر".

"الجيرة" بدل القصاص

وفي قضية ثالثة، أيضا بسبب خلاف على تعبئة مياه الشرب، قُتل شخص خلال مشاجرة، فطالب ذوو الضحية بتعويض كبير يزيد عن الدية المغلظة (نحو 76 ألف دولار) المعمول بها في غزة.

ويستدرك الكفارنة "الأمر الجيد أن عائلة الضحية قبلت مبدأ "نقل الجيرة"، وهو مصطلح يعني موافقتها على المضي في إجراءات الصلح المؤدية إلى الدية بدلا من القصاص، ونأمل أن نصل إلى حل نهائي قريبا".

ومن أبرز القضايا التي أنجز الكفارنة حلها أخيرا، صلح بين عائلتين بعد مقتل سيدة عن طريق الخطأ داخل خيمتها، إلى جانب صلح آخر بين ثلاث عائلات إثر شجار بين شخصين تسبب في مقتل ثالث عن طريق الخطأ وانتهى بقبول عائلة الضحية دية مخففة تقاسمها المتسببان.

وبعد أن غادر الكفارنة المكتب متوجها إلى إحدى الخيام المستخدمة للصلح العشائري، كان العكلوك ينتظر وصول طرفي نزاع آخر، هذه المرة على ملكية بعض أدوات البناء.

حضر أحد الخصمين وتغيب آخر، لم يُخفِ العكلوك امتعاضه، أمسك هاتفه واتصل بمختار آخر يكفل الرجل الغائب، محذرا: سنمنحه موعدا جديدا بعد غد، وإن لم يحضر فسنزود الطرف الثاني بإفادة مكتوبة تفيد برفض خصمه الحضور.

وعلى إثر ذلك، غادر العكلوك مكتبه متوجها إلى منزل إحدى العائلات لإتمام صلح خاص بنزاع على الميراث.

تحديات الحرب ودور العشائر

في الظروف العادية، كانت الشرطة هي الجهة التي تتلقى مثل هذه القضايا وتتعامل معها، لكن حرب الابادة التي بدأت غيرت المعادلة، فبعد تدمير الاحتلال الإسرائيلي مراكزها واستهداف عناصرها وإضعاف قدرتها على التدخل، بالإضافة إلى تعطّل عمل القضاء والنيابة، برز دور العشائر ورجال الإصلاح في احتواء النزاعات ومحاولة ضبط الأمن المجتمعي.

ومنذ بداية الحرب، يستهدف الاحتلال بشكل منهجي قوات الأمن الفلسطينية، مما أدى إلى استشهاد نحو 2700 من عناصرها وتدمير معظم مقراتها.

وكان اخر الهجمات التي استهدفت حاجزا امنيا وسط القطاع مما اسفر عن استشهاد شرطي واصابة اخر بجروح خطرة.

يحرص العكلوك على التأكيد أن أنشطة تجمع العشائر تتم بالتنسيق مع "الجهات الحكومية" في غزة، كما يشدد على أن دور التجمع توفيقي بالدرجة الأولى ولا يقوم على فرض القرارات على الأطراف المتنازعة.

تنسيق وتكامل الأدوار

ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن تجمع القبائل "لا يسعى إلى أن يكون بديلا عن الشرطة أو الحكومة أو القضاء أو النيابة، لكنه يحاول ملء بعض الفراغ الذي خلفه تراجع حضورها خلال الحرب".

وكشف أن تجمع العشائر تمكن خلال شهر فبراير/شباط الماضي من التعامل مع 1585 قضية مختلفة، توزعت بين 15 حادثة قتل و48 سرقة و888 مشاجرة عائلية و190 نزاعا ماليا إضافة إلى عشرات الخلافات الأخرى المرتبطة بقضايا يومية بين العائلات.

ويشير العكلوك إلى أن التجمع نجح منذ بداية الحرب في حل 82 قضية قتل توزعت ما بين "قتل خطأ وعمد وشبه عمد".

غالبا ما تبدأ المشاكل بمشادات بسيطة أو خلافات على موارد محدودة قبل أن تتسع وتستدعي تدخل وجهاء العشائر ورجال الإصلاح لاحتوائها.

وتُثقل المشاجرات اليومية كاهل رجال الإصلاح الذين يضطرون إلى التنقل بين مناطق مختلفة وعقد جلسات مطولة مع أطراف النزاع وأقاربهم في محاولة لتهدئة النفوس ومنع تصاعد الخلاف.

الظروف الاستثنائية تزيد النزاعات

ويشدد العكلوك على أن هذه الجهود تبقى ضرورية لأن التدخل المبكر قد يمنع تحول المشاكل الصغيرة إلى صراعات أكبر قد تُراق فيها الدماء أو تتطور إلى حالات ثأر بين العائلات.

ويعزو رئيس التجمع العشائري ارتفاع وتيرة المشاجرات بين الناس إلى الظروف الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة خلال الحرب، إذ نشأت مئات مراكز الإيواء التي تكدس فيها مئات الآلاف من النازحين مما أدى إلى تجمع ما يقارب مليوني شخص في مساحة ضيقة غربي القطاع بعد نزوحهم من مناطقهم.

هذا الاكتظاظ الشديد إلى جانب الضغط النفسي والخسائر التي تعرضت لها العائلات والنقص الحاد في الموارد الأساسية خصوصا المياه والطعام خلق بيئة قابلة لاندلاع الخلافات بسرعة، حسب العكلوك.

واجه التجمع تحديا كبيرا مع فقدان مقاره بعد أن دمّر الاحتلال عددا كبيرا منها خلال الحرب، ورغم ذلك واصل عمله عبر إقامة 63 خيمة كمقار مؤقتة في مدينة غزة وشمال القطاع كمرحلة أولى تتبعها إقامة خيام مماثلة في وسط وجنوب القطاع تُعقد فيها الاجتماعات وتستقبل شكاوى المواطنين.

تأمين المساعدات والتصدي للمجموعات المسلحة

ويتقاضى رجال الإصلاح مكافآت رمزية لتغطية نفقات الاتصالات والمواصلات تدفعها الحكومة، بحسب العكلوك.

وتجاوز دور العشائر خلال الحرب الوساطة في النزاعات ليشمل أيضا تأمين قوافل المساعدات الإنسانية وحمايتها من السرقة أو النهب.

كما لعب التجمع الوطني للعشائر دورا في التصدي لظاهرة تشكّل مجموعات مسلحة عميلة للاحتلال وانضمام بعض الشبان إليها.

وفي هذا السياق تابع التجمع ملفات عدد من هؤلاء الشبان مع عائلاتهم وفتح أمامهم باب التوبة والعودة إلى مجتمعهم بعد حل المشاكل التي تسببت بـ"نبذهم مجتمعيا وانضمامهم للعصابات العميلة".

ومن بين رجال الإصلاح الذين ينخرطون يوميا في احتواء النزاعات، يشير المختار ياسين عساف إلى الظروف الصعبة التي يعيشها قطاع غزة وأهمية "إصلاح ذات البين وحل النزاعات قبل أن تتفاقم".

تكامل الأدوار مع الحكومة

وفي السياق ذاته يتحدث المختار باسم المناعمة، ويضيف أن غياب العشائر يؤدي إلى تصاعد الخلافات داخل المجتمع.

بينما يشير رئيس قسم الشكاوى في التجمع الوطني العشائري عماد الشنطي إلى آليات محددة في التعامل مع القضايا التي ترد إليهم بناء على أهميتها وصعوبتها.

وتقرّ الحكومة في غزة من جهتها بأن العشائر الفلسطينية أدّت دورا مهما في الحفاظ على السلم الأهلي خلال الحرب، مع تراجع قدرة المؤسسات الرسمية بفعل استهداف الاحتلال لمقومات النظام العام.

ويقول إسماعيل الثوابتة مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي، إن العشائر أسهمت بحكم حضورها الاجتماعي في احتواء الخلافات ومنع تصاعدها ضمن دور تشاركي وتكاملي مع الجهات الحكومية بما ساعد في سدّ جزء من الفراغ الأمني والقضائي.

وبحسب الثوابتة فقد أسهمت هذه الجهود في تعزيز التماسك بين أبناء المجتمع والحفاظ على النسيج الاجتماعي في ظل ظروف استثنائية يعيشها قطاع غزة.