مع بداية العشر الأواخر من شهر رمضان، تلك الأيام التي اعتاد فيها عشرات آلاف الفلسطينيين التوجه إلى المسجد الأقصى للاعتكاف وإحياء لياليه، تبدو الساحات هذا العام خالية على نحو غير مألوف.

فالأبواب التي كانت مشرعة أمام المصلين أصبحت موصدة، والعشر الأواخر من رمضان تمر دون الوصول إلى الأقصى، بل وحتى إلى البلدة القديمة، وذلك لأول مرة منذ احتلال إسرائيل للقدس الشرقية.

في الأروقة المؤدية إلى المسجد، لا يوجد باعة ينادون المصلين الذين يتوافدون على البسطات المجاورة للأبواب، ولا تتوقف حركتهم، خاصة بين صلاتي المغرب والفجر في ليالي الاعتكاف.

خمسة مصلين فقط

نبرة الإمام في الصلوات أصبحت حزينة، فليس هناك مصلون يلبون نداء "حي على الصلاة" داخل المصليات وفي الساحات، بل يصلي خلفه أربعة أشخاص في أحسن الأحوال.

"الأقصى حزين ولا يوجد في رحابه أحد" هكذا وصف أحد أئمة المسجد، رافضا الكشف عن اسمه، تغييب المصلين قسرا، مبينا أن عشرات الآلاف منهم كانوا يتوافدون إليه كل ليلة في العشر الأواخر، فضلا عن الآلاف الذين يعتكفون في جنباته كل ليلة.

لم يكن هذا الإمام المقدسي، الذي اعتاد أن يؤم المصلين في الأقصى منذ 46 عاما، يتخيل أن يرى ساحات أولى القبلتين فارغة من المصلين في العشر الأواخر يوما ما.

متى يفتح الأقصى؟

واضاف الامام "في العشر الأواخر يكون المسجد عامرا على مدار الساعة، مع ازدياد اهتمام المصلين بالحضور، ونصادف مصلين قدموا من خارج البلاد خصيصا للاعتكاف في أولى القبلتين، ويضاف هؤلاء إلى المقدسيين وأهالي الداخل الفلسطيني الذين يعمرون المسجد طيلة الشهر الفضيل".

ومنذ اندلاع الحرب، يتناوب الإمام وأئمة آخرون ومن خلفهم المؤذن ومقيم الصلاة بالإضافة إلى حارس منبر المصلى القبلي، وينضم إليهم مدير المسجد أو مدير دائرة الأوقاف، وشدد الامام انه "لا يسمع أهالي البلدة القديمة الصلوات لأنها تقتصر على السماعات الداخلية، كما أن مصلى قبة الصخرة المشرفة مغلق منذ بدء الحرب".

يحرص إمام الأقصى على التوجه إلى مساجد قريبة من منزله في هذه الأيام ليؤم المصلين في صلاتي العشاء والتراويح، وبين أنه يشعر بفرحة غامرة عندما يسمع منهم "الليلة الأقصى عندنا.. اليوم صوت الأقصى بيننا" لكن الغصة سرعان ما تتسلل إلى قلبه وقلوبهم على حال المسجد المهجور قسرا.

حنين طبيب مؤذن وإمام وقارئ

سألنا هذا الإمام أيضا عما يقوله المصلون عندما يلتقونه خارج الأقصى في هذه الأيام، فأجاب بأن جميع المصلين يطرحون السؤال ذاته: متى سيفتح الأقصى يا شيخ؟ ويؤلمني أن لا إجابة لدي، ورغم ذلك بدأت كتابة خطبة صلاة عيد الفطر الوشيك، وأتمنى أن أرى المصلين في الرحاب المباركة قبل ذلك أيضا.

طبيب الأسنان المقدسي مجد الهدمي هو أحد أولئك الأشخاص الذين ينتظرون حلول العشر الأواخر للمشاركة تطوعا في إحياء هذه الليالي داخل أولى القبلتين، وينتظر المصلون الذين ألفوا وجهه وصوته لقاءه أيضا، لكن اللقاء أُجّل بسبب إجراءات "حالة الطوارئ" التي أُخضِع لها الأقصى.

يتطوع هذا الطبيب منذ 15 عاما في رفع الأذان وقراءة القرآن وفي الإمامة بصلاة التهجد، ويشارك مع المصلين في حلقات الذكر والاعتكاف العلمي وغيرها، ويصف الانسلاخ القسري عن كل ذلك هذا العام بـ"الحرمان غير المعقول"، والإجراءات بحق الأقصى بـ"المسيسة لأنه توجد في المسجد مبان تنطبق عليها مواصفات أعلى بكثير من مواصفات الملاجئ، وتتميز بالبناء الإنشائي المتين ذي الجدران والحجارة السميكة" وبالتالي لا مبرر لتفريغه.

أيام جمعة أغلق فيها المسجد الأقصى

تطرق الهدمي إلى الروحانيات الاستثنائية التي يعيشها رواد المسجد الأقصى، مؤكدا أنه لا يمكن للشخص أن يعيشها في أي مسجد داخل البلدة القديمة أو خارجها، وبين أن "الأقصى مختلف على الصعيد الشرعي من جهة، وعلى الصعيد الاجتماعي من جهة أخرى لكونه حيزا اجتماعيا يلتقي فيه أهالي القدس والضفة الغربية والداخل الفلسطيني، في ليال مباركة، ويتعارف هؤلاء ويخدم بعضهم بعضا".

كل التفاصيل الروحانية التي ينتظرها المصلون في رمضان بعد 11 شهرا من تغييب الهوية العربية والإسلامية والفلسطينية عن القدس، اندثرت كما يقول مجد، وشريان الحياة الذي يعود للمدينة وأهلها وأزقتها قُطِع، ومن الواضح أن هذا مدروس، وكما يقول المثل العربي "وراء الأكمة ما وراءها".

يشمل الإغلاق الحالي للمسجد الأقصى منع إقامة صلاة الجمعة والتراويح، ووفق محافظة القدس، فإن المسجد أغلق أيام الجمعة خمس مرات منذ احتلال القدس عام 1967:

  • 9 يونيو/حزيران 1967: بعد يومين من احتلال القدس، حين كانت قوات الاحتلال التي اقتحمت المسجد الأقصى لا تزال فيه.
  • 14 يوليو/تموز 2017: عقب عملية إطلاق نار داخله، حيث أعلن الاحتلال إغلاق المسجد وبدأ التحضير لفرض البوابات الإلكترونية، قبل أن يُجبر على التراجع عنها بعد أسبوعين نتيجة الهبة الشعبية.
  • 13 يونيو/حزيران 2025: عندما طردت قوات الاحتلال المصلين وأغلقت المسجد الأقصى بالتزامن مع العدوان الذي استمر 12 يوما على إيران.
  • 20 يونيو/حزيران 2025: ضمن الإغلاق السابق.
  • 6 مارس/آذار 2026: في اليوم السابع من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران.

انعكاسات خطيرة على القدس

وفي ظل هذا الإغلاق التعسفي المستمر لليوم الحادي عشر على التوالي، تبرز تساؤلات حول دلالات هذه الخطوة وانعكاساتها على المدينة وسكانها من النواحي الدينية والاجتماعية والسياسية.

وفي هذا السياق اعتبرت محافظة القدس إغلاق الأقصى "جزءا من مخطط ممنهج لفرض السيطرة الاحتلالية المباشرة على إدارة المسجد، عبر تهميش دائرة الأوقاف الإسلامية ومنع المصلين من الوصول إلى باحاته في أكثر الأوقات قدسية".

وقال مدير دائرة الإعلام في المحافظة عمر الرجوب إن الإغلاق يهدف إلى تثبيت النفوذ الإسرائيلي على الأقصى وتهيئة الأرضية لتنفيذ مخططات تهويدية، بما يشكل انتهاكا صارخا للحقوق الدينية والتاريخية ويغير الوضع القانوني والتاريخي بشكل ممنهج.

أبرز الإجراءات الإسرائيلية التي تستهدف الأقصى

وتعود أصول اتفاق الوضع القائم في القدس إلى العهد العثماني، وبالتحديد إلى القرن التاسع عشر ويتعلق بإدارة الأماكن المقدسة في القدس بما فيها المسجد الأقصى، ويحظى باعتراف دولي.

ولفت الرجوب إلى أن حجم القيود المفروضة كان واسعا وشاملا، ويعكس سياسة ممنهجة لفرض السيطرة الإسرائيلية على الأقصى وتقييد الحياة الدينية والاجتماعية في القدس، ومنها:

  • الإغلاق الكامل للمسجد بذريعة "حالة الطوارئ المعلنة منذ بدء الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران".
  • منع المصلين من أداء الصلاة والاعتكاف خلال العشر الأواخر، وهو أمر غير مسبوق منذ احتلال الأقصى عام 1967.
  • إجراءات ميدانية وإدارية قبل الإغلاق، كمنع الاعتكاف في أيام الجمعة والسبت من بداية الشهر.
  • وقف إدخال كافة احتياجات المصلين والموظفين.
  • تفعيل دوريات راجلة مسلحة فوق رؤوس المصلين.
  • استهداف "دار الحديث الشريف"، بمنع حلقات علمية تُعقد في أروقة ومصليات المسجد الأقصى.
  • محاولة تغيير طبيعة إدارة المسجد الذي تديره دائرة الأوقاف الإسلامية بنزع بعض صلاحياتها.
  • زيادة أوقات اقتحام المستعمرين صباحا لمدة ساعة إضافية.
  • اعتقالات يومية داخل باحات الأقصى.
  • تسليم أكثر من 530 قرار إبعاد منذ بداية العام، وشملت القرارات مرابطين وناشطين وأسرى محررين، كما أُبعد نحو 24 موظفا من دائرة الأوقاف و6 من أئمة ووعاظ الأقصى عنه.

رسائل سياسية وإستراتيجية

وفق الرجوب، فإن محافظة القدس تنظر إلى الإجراءات السابقة على أنها "رسائل سياسية وإستراتيجية متعددة"، تتجاوز ما يُسوق له رسميا تحت عنوان "الأمن والسلامة"، مبينا أن إغلاق المسجد وفرض القيود الممنهجة على دخول المصلين في شهر رمضان، خصوصا في العشر الأواخر التي تشهد أكبر حضور ديني جماعي، يعكس عدة أهداف:

  • فرض سيادة الاحتلال على المسجد الأقصى: من خلال تهميش دائرة الأوقاف الإسلامية والسيطرة على إدارة شؤونه، إذ يهدف الاحتلال إلى تحويل القرار السيادي حول فتح وإغلاق المسجد إلى سلطة إسرائيلية.
  • مخططات تهويدية: تهيئة الأرضية لتنفيذ مخططات تهويدية مستقبلية، واستمرار النفوذ الصهيوني داخل الحرم في أعظم أيامه قدسية.
  • إبعاد الحضور الفلسطيني: عبر القيود العُمرية والإبعادات والاعتقالات، وكلها استُخدمت لتحديد تركيبة المصلين وتقليل التأثير الجماهيري، وهو ما يشير إلى سياسة استباقية لضبط الفضاء الديني والسياسي للقدس وبالتالي محاولة السيطرة على المشهد العام وإضعاف القدرة الشعبية على الوجود الجماعي في الأقصى.
  • إضفاء صبغة قانونية وإدارية مزيفة: باستخدام ذريعة "حالة الطوارئ" أو "غياب الملجأ الآمن" لإضفاء تغليفة قانونية للإجراءات، مما يدل على سياسية واضحة لتغيير الوضع القائم بشكل تدريجي ومنهجي، تحت مظلة الأمن المزعوم، حيث إن شرطة الاحتلال سمحت لآلاف المستوطنين، الأربعاء الماضي، بإحياء طقوس عيد "البوريم" (المساخر) في شوارع القدس المحتلة، رغم حالة الحرب.
  • إشارات ورسائل للمجتمعين المحلي والدولي: مفادها أن السيطرة على الأقصى ممكنة، وأن الاحتلال يمتلك القدرة على فرض واقع جديد دون تدخل فعلي من المجتمع الدولي.

وفق المسؤول بالمحافظة، فإن هذه الإجراءات مجتمعة ليست مجرد تدابير أمنية مؤقتة، بل رسالة إستراتيجية سياسية وأيديولوجية، تهدف إلى تثبيت السيطرة الاحتلالية على المسجد الأقصى، وتقويض الإدارة الشرعية للأوقاف، والتحضير لمراحل لاحقة من التهويد والتغيير الديمغرافي والديني في قلب المدينة المقدسة.