تتحول المساجد التركية في شهر رمضان إلى محاريب مضيئة بالإيمان، حيث تعج بالمصلين وتزدان بتلاوات الأئمة الذين يتميزون بأصوات ندية، ويتصدر مشهد التراويح في تركيا أئمة حفظوا كتاب الله وأتقنوا تلاوته، فيؤمون جموعا غفيرة في مساجد عامرة بالتاريخ والتنظيم والخشوع.

وخلال ليالي الشهر المبارك، يختم القرآن الكريم بصوت واحد أو أصوات متعددة، في تجربة جماعية تترك أثرها في الروح والذاكرة.

نسلط الضوء على أبرز الأئمة الأتراك الذين يحيون ليالي رمضان بتلاواتهم المؤثرة، ويقدم كل منهم نموذجا متكاملا يجمع بين الحفظ والحسن الصوتي والدقة في الأداء.

أئمة تركيا وتلاوات رمضان

الشيخ فروح مشتور هو إمام مسجد آيا صوفيا الكبير في إسطنبول، وأحد أشهر قراء القرآن في تركيا، وقد ولد عام 1971 في ولاية كوتاهيا التركية، وأتم حفظ القرآن الكريم في صغره، ثم تخرج في كلية الإلهيات بجامعة أنقرة.

عمل مؤذنا ثم مبعوثا دينيا لعدة سنوات، قبل أن تبرز موهبته في تلاوة القرآن على المستوى الوطني والدولي، وحاز الشيخ فروح على المركز الأول عالميا في مسابقة تلاوة القرآن الكريم التي نظمت في الكويت عام 2015، بعد أن كان قد فاز بعدة مسابقات محلية.

وفي عام 2020، ومع إعادة مسجد آيا صوفيا إلى الصلاة، تم تعيينه إماما تكريما لخبرته وتميزه.

مسجد آيا صوفيا وتلاوات الشيخ فروح

يتميز الشيخ بصوت رخيم وأداء مؤثر يجمع بين المقامات القرآنية العثمانية والنغمة العربية الأصيلة، مما يجعله محبوبا لدى المصلين ومستمعي التلاوة، وقد صرح في مقابلات سابقة أنه يعتبر جمال صوته نعمة إلهية يحافظ عليها بالتدريب المستمر والحرص على صحة حباله الصوتية.

يعد مسجد آيا صوفيا من أهم معالم تركيا وأكثرها استقبالا للمصلين في رمضان، وقد بني في القرن السادس الميلادي ككاتدرائية ثم تحول إلى مسجد بعد الفتح العثماني، وعاد بيتا لله عام 2020 بعد عقود من تحويله لمتحف.

في شهر رمضان، يستعيد المسجد تقاليد التراويح الأندرونية العثمانية، حيث يختم القرآن كاملا خلال الشهر ضمن أجواء روحانية مميزة.

تراويح مميزة في آيا صوفيا

وتتميز تراويح آيا صوفيا بأسلوب فريد يجمع بين التلاوة بالمقامات المختلفة والأناشيد بين الركعات، إذ يقرأ كل أربع ركعات بمقام مختلف مع إنشاد الموشحات والصلوات من قبل مجموعة المؤذنين.

الشيخ فاتح كايا هو الإمام الأول لمسجد بيشتبه ملت (المعروف أيضا بمسجد المجمع الرئاسي) في أنقرة.

ولد في ثمانينيات القرن الماضي، وبرز منذ شبابه كموهبة قرآنية فذة، وشارك في مسابقات تلاوة القرآن على مستوى تركيا وأحرز مراتب متقدمة، وفي عام 2007 كان ممثل إسطنبول في نهائي تركيا لتجويد القرآن ونال المركز الثاني على مستوى البلاد، مما فتح له أبواب المنافسات الدولية لاحقا.

الشيخ فاتح كايا ومسجد بيشتبه

تلقى تعليمه الشرعي في معاهد الأئمة والخطباء وأتم دورات التخصص في علم القراءات بامتياز، وعمل إماما في مسجد نور عثمانية التاريخي بإسطنبول سابقا، ثم اختير لتمثيل تركيا في مسابقة ماليزيا الدولية لتلاوة القرآن 2019 بصفته أحد خيرة القراء بالبلاد.

بفضل هذا السجل المشرف، اختارته رئاسة الشؤون الدينية إماما رئيسيا لمسجد بيشتبه – أحد أهم مساجد العاصمة الحديثة.

يتميز الشيخ فاتح بصوت قوي وجهوري، وإجادة تامة لمخارج الحروف وأحكام التجويد بروايات متعددة، مما يكسب تلاوته خشوعا وهيبة خاصة لدى السامعين، وكثيرا ما يطلق عليه لقب "المقرئ الدولي" لتحكيمه مسابقات محلية ولمشاركته في محافل دولية قارئا ضيفا.

مسجد بيشتبه في رمضان

افتتح مسجد بيشتبه ملت عام 2015 ضمن المجمع الرئاسي التركي بأنقرة، وهو تحفة معمارية حديثة تجمع بين فخامة العمارة العثمانية التقليدية واللمسات العصرية، وللمسجد أربع مآذن وقبة رئيسية ضخمة، ويتسع لآلاف المصلين.

في شهر رمضان، يشهد المسجد إقبالا واسعا خاصة في صلاتي التراويح والقيام، حيث يقوم الشيخ فاتح كايا وفريق الأئمة معه بختم القرآن الكريم كاملا خلال صلاة التراويح طوال الشهر.

وتقام أيضا في المسجد دروس دينية ومجالس للإفطار الجماعي في باحاته، ويقدر بأن المسجد يغص بعشرة آلاف مصلين أو أكثر في الليالي المباركة مثل ليلة القدر، حيث يضفي الإنشاد الجماعي وصوت الشيخ فاتح ذي النبرات الحجازية والمصرية جوا روحانيا يجذب القلوب.

الشيخ ايهان بولاط والمسجد الكبير

الشيخ أيهان بولاط هو إمام المسجد الكبير (Ulu Cami) بمدينة بورصة التاريخية، ويعد الشيخ أيهان من العلماء القراء إذ حصل على إجازة عالية في القراءات العشر، وأتم دراسته الشرعية في مركز تعليم القرآن الكريم بحسكي في إسطنبول، ما خوله للحصول على لقب "قارئ مجيد" في الأوساط الدينية.

قضى الشيخ أيهان سنوات شبابه في خدمة القرآن، مشاركا في تحكيم مسابقات الحفظ والتجويد على مستوى إقليم مرمرة، كما أنه خريج ثانوية الأئمة والخطباء عام 1987 وقد عين إماما لمسجد أولو جامع في بورصة لاحقا.

عرف عنه حسن الصوت والتجويد بإتقان الروايات، إلى جانب تمكنه من المقامات التركية التقليدية في التلاوة، ما يجعل صوته مألوفا ومحببا لدى أهالي بورصة.

المسجد الكبير في بورصة

وقد شارك في لجان تحكيم مسابقات قرآنية محلية وكان له دور في تعليم وتخريج بعض الحفاظ الجدد.

ويعتبر أولو جامع في بورصة من أعظم مساجد تركيا تاريخا وسعة، إذ بناه السلطان بايزيد الأول بين عامي 1396 و1400م على الطراز السلجوقي العثماني، ويتميز المسجد بعشرين قبة مرتكزة على أعمدة ضخمة وساحة داخلية تتوسطها نافورة وضوء طبيعي.

في شهر رمضان، يغدو أولو جامع مركز النشاط الديني في بورصة، حيث يمتلئ عن آخره بالمصلين في التراويح والقيام، ويحرص الشيخ أيهان بولاط على ختم القرآن الكريم كاملا خلال التراويح الختمية، مستعينا بزملائه الأئمة أحيانا في قراءات بعض الركعات لضمان سلاسة الختمة.

الشيخ انور قونقور وتراويح قونية

بعد كل صلاة تراويح، تتلى الأدعية وتنشد القصائد الدينية داخل المسجد، ويذكر أنه في ليالي رمضان يقوم المسجد أيضا باحتضان "المقابلة" (Mukabele) وهي قراءة جماعية للقرآن في النهار بحضور الناس.

الشيخ أنور قونقور هو الإمام والخطيب الخبير لمسجد قابو جامع التاريخي في مدينة قونية، ويلقبه أهل العلم بلقب "شيخ القراء" في قونية.

ولد عام 1970، وتدرج في طلب العلم الشرعي وحفظ القرآن في صباه، حتى أتم حفظه في غضون سنة واحدة تقريبا من بدء الحفظ.

مسجد قابو وتاريخ قونية

حصل الشيخ أنور على إجازات متعددة في القراءات وقواعد الأداء الصوتي، وتتلمذ على يد كبار المقرئين في قونية، وعين إماما في جوامع ريفية بداية، ثم نجح عام 1996 في مسابقة أئمة الشؤون الدينية ليتولى الإمامة في مسجد قابو، ومنذ ذلك الحين، وعلى مدى ما يزيد عن 29 عاما متواصلة، لم يترك الشيخ أنور إمامة هذا المسجد العريق.

اشتهر بإقامته صلاة التراويح بالختمة الكاملة سنويا دون انقطاع منذ تسعينيات القرن الماضي، فأصبح اسمه مقرونا بهذا التقليد.

ويعد مسجد قابو جامع من أكبر مساجد قونية العثمانية وأعرقها، إذ بناه عالم الدين بير حسين جلبي سنة 1658م وتم توسيعه وإعادة تشييده عدة مرات بعد حريق كبير أتى عليه عام 1867.

الشيخ عمر التون داغ وتلاوات أضنة

يعرف المسجد باسم "مسجد البوابة" لموقعه قرب إحدى بوابات سوق أت بازار القديم في قونية، ويتميز بطراز معماري عثماني بسيط نسبيا من الخارج وسقف مسطح تغطيه 8 قباب من الداخل، مع صحن واسع وأعمدة رخامية تحمل السقف.

الشيخ عمر ألتون داغ هو أحد أئمة مسجد صبانجي المركزي بمدينة أضنة التركية، ويشغل منصب الإمام المتخصص في هذا المسجد الكبير منذ أواخر العقد الماضي.

ولد الشيخ عمر في ثمانينيات القرن العشرين ونشأ في بيئة متدينة بأضنة، حيث أتم حفظ القرآن الكريم ثم التحق بمعهد التحفيظ الرسمي.

مسجد صبانجي تحفة معمارية

واصل دراسته في كلية العلوم الإسلامية وتلقى دورات مكثفة لدى رئاسة الشؤون الدينية حتى حصل على تصنيف إمام متخصص تقديرا لإلمامه بالفقه وعلوم القرآن.

يعرف عنه مشاركته في مسابقات التلاوة التركية خلال شبابه، وفوزه ببعضها على مستوى المحافظة، مما لفت إليه الأنظار.

ويعتبر مسجد صبانجي من أكبر مساجد تركيا، بسعة نحو 28 ألف مصل بما في ذلك الساحات، بني عام 1998 على نمط يجمع بين هندسة جامع السلطان أحمد (الواجهات) وتصميم جامع السليمية (المسقط والقبة)، وافتتح المسجد عام 1998 بجانب نهر سيحان في قلب مدينة أضنة، وهو تحفة معمارية حديثة ذات ست مآذن بارتفاع 99 مترا لكل منها.

أكبر مساجد تركيا

ويعد المسجد ثاني أكبر مسجد في تركيا من حيث السعة (بعد جامع تشامليجا في إسطنبول)، إذ يستوعب نحو 20 ألف مصل داخل قاعاته وأكثر من 28 ألف مصل مع استخدام المساحات الخارجية.