يشكل البحر الأحمر ممرا رقميا بالغ الأهمية عالميا، فهو ليس مجرد معبر للسفن، بل هو بمثابة النخاع الشوكي الذي ينقل البيانات بين قارات العالم القديم، حيث يمر عبر قاعه ما يقارب 17% إلى 30% من حركة الإنترنت العالمية، ما يجعل أي خلل في نقاط ربطه أزمة رقمية تتجاوز الحدود.

وتعرف نقاط الربط أو محطات الإنزال بأنها المنشآت الأرضية التي تخرج منها الكابلات من قاع البحر لتتصل بالشبكات المحلية، وفي البحر الأحمر تتوزع هذه النقاط الاستراتيجية لتشكل المعابر الرقمية التي تغذي الوطن العربي.

وتكمن المشكلة الأساسية في الضيق الجغرافي، فوفقا لتقارير تيلي جيوغرافي يمر ما لا يقل عن 16 كابلا بحريا رئيسيا عبر مضيق باب المندب وصولا إلى قناة السويس، وهذا التكدس في ممر ضيق ومياهه ضحلة نسبيا يجعل الكابلات عرضة لمخاطر فيزيائية متعددة، بدءا من مراسي السفن الضخمة وصولا إلى النشاط الزلزالي في الأخدود الأفريقي العظيم.

تداعيات تعطل نقاط الربط

لكن عندما تتضرر نقطة ربط رئيسية لا ينقطع الإنترنت بشكل كامل كما يعتقد البعض، بل يدخل في حالة إعادة التوجيه القسري، حيث تبدأ بروتوكولات التوجيه بي جي بي BGP بالبحث عن مسارات بديلة عبر المحيط الأطلسي أو الالتفاف حول أفريقيا.

وأضاف التقرير أن البيانات التي كانت تستغرق على سبيل المثال 100 مللي ثانية للوصول من الرياض إلى لندن قد تضطر الآن لقطع مسافة أطول ترفع الزمن إلى 300 مللي ثانية أو أكثر، ونظرا لأن المسارات البديلة تمتلئ بسرعة وتتجاوز سعتها الاستيعابية تبدأ الشبكة بإسقاط أجزاء من البيانات، ما يؤدي إلى تقطع مكالمات الفيديو وفشل تحميل المواقع الثقيلة.

يشير الاتحاد الدولي للاتصالات اي تي يو ITU إلى أن انقطاعا بنسبة 10% في سعة النطاق العريض يمكن أن يؤدي إلى خسائر مباشرة في الناتج المحلي الإجمالي للدول النامية، لكن في الوطن العربي التأثير يضرب مفاصل حيوية.

الآثار الاقتصادية لانقطاع الإنترنت

ويتمثل أبرز هذا الضرر في شلل الخدمات السحابية حيث تعتمد معظم الشركات الناشئة والكبرى في الخليج ومصر على مراكز بيانات ايه دبليو اس AWS وأزور Azure وغوغل الموجودة في أوروبا، وتعطل الربط يعني تعذر الوصول إلى أنظمة المحاسبة وقواعد بيانات العملاء والبريد الإلكتروني.

وبين التقرير أن التداول المالي يتأثر كذلك، ففي عالم البورصة الأجزاء من الثانية تساوي مليارات، وأي تاخير في الربط مع مراكز المقاصة العالمية في لندن أو نيويورك يضع المستثمرين العرب في موقف ضعف تنافسي خطير.

لمواجهة هذا التهديد بدأت دول المنطقة في تنفيذ مشاريع السيادة الرقمية لتقليل الاعتماد على ممر البحر الأحمر وحده، حيث يبرز مشروع بلو رامان Blue-Raman الذي يهدف لخلق مسار بري بديل عبر السعودية والأردن، ومشروع الممر البري العراقي الذي يسعى لربط الخليج بأوروبا عبر تركيا.

استراتيجيات الصمود الرقمي العربي

واوضح التقرير أنه بالإضافة إلى ذلك استثمرت دول خليجية مثل السعودية والإمارات في بناء مراكز بيانات ضخمة محليا لتوطين البيانات، بحيث لا تضطر المعلومة للذهاب إلى أوروبا والعودة منها عند كل نقرة زر.

واكد التقرير أن تأثر نقطة ربط واحدة في البحر الأحمر هو اختبار لمدى مرونة البنية التحتية في الوطن العربي، ورغم أن الشبكة مصممة للالتفاف حول الأعطال إلا أن التكلفة الاقتصادية والزمنية تظل باهظة، ويكمن المستقبل في التنويع، أي عدم وضع كل البيانات العربية في سلة البحر الأحمر الواحدة والاستثمار في كابلات الأقمار الصناعية والمسارات البرية العابرة للحدود.