تتفاقم معاناة مصابي الحروق في قطاع غزة مع مرور الأشهر، حيث يواجهون تحديات كبيرة في الحصول على العلاج المناسب، وتظل آثار الحرب واضحة على أجسادهم، فيما يعانون من نقص الإمكانات الطبية وصعوبة السفر لتلقي العلاج في الخارج.

ورغم توقف العمليات العسكرية، فإن أجسادا محترقة ما زالت شاهدة على ما خلفته الحرب، وفي وقت يعجز فيه كثير من المصابين عن استكمال علاجهم داخل القطاع المحاصر.

لم يكن مشهد ذوبان جسد الصحفي أحمد منصور حين كانت النيران تلتهمه عقب استهداف صاروخ اسرائيلي خيمة للصحفيين في خان يونس خلال ابريل/نيسان الماضي سوى صورة واحدة من الاف المشاهد التي شهدها قطاع غزة خلال حرب الابادة التي شنتها قوات الاحتلال.

قصص مؤلمة من غزة

داخل خيمة نزوح في شمال غزة، تبدو آثار الحروق واضحة على جسد الطفلة ريتال حلاوة (5 سنوات)، بعد نحو 9 أشهر من إصابتها أثناء وجودها في أحد مخيمات الإيواء في جباليا.

تغطي الحروق الجانب الأيسر من وجهها ويديها وصدرها وبطنها، بعدما اشتعلت فيها النيران نتيجة قنبلة ألقتها طائرة مسيرة اسرائيلية من طراز "كواد كابتر" في المكان الذي كانت تلهو فيه داخل المخيم.

تعاني ريتال من حروق من الدرجتين الثانية والثالثة، وتعرضت لانتكاسة بعد تشكل نسيج شمعي فوق الحروق والتهابها، بعدما اضطر الأطباء إلى إيقاف جلسات العلاج المتكرر تحت التخدير خشية تأثيرها على خلايا دماغها.

وتقول والدتها للجزيرة نت إن ابنتها لا تستجيب للعلاج المتوفر حاليا، والذي يقتصر في الغالب على المسكنات، واضافت أن الطفلة بحاجة ماسة لاستكمال علاجها في الخارج قبل أن تتفاقم حالتها.

معاناة النازحين مع الحروق

في أحد مراكز النزوح، يروي كمال نصير (34 عاما) تفاصيل إصابته خلال الأشهر الأولى للحرب، عندما تعرض منزله في بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة لقصف مباشر أدى إلى اندلاع حريق داخله.

يقول نصير إنه كان داخل المنزل عندما سقطت القذائف واشتعلت النيران، وبينما حاول إخماد الحريق، امتدت النار إلى ساقه وأصابته بحروق شديدة.

ويوضح للجزيرة نت أنه لا يزال يعاني من مضاعفات الإصابة، لاسيما أن ظروف النزوح لا توفر بيئة مناسبة للعلاج، وفي كثير من الأحيان لا تتوفر حتى المراهم أو الشاش الطبي لتغطية الجرح.

واضاف "الأطباء قالوا إنني بحاجة إلى العلاج خارج القطاع، لكن الجميع يعرف صعوبة السفر وإغلاق المعابر، وحتى عندما يفتح المعبر تكون أعداد المغادرين محدودة جدا".

أما الطفلة رنين جندية (12 عاما)، فقد أصيبت بحروق بالغة في الجزء السفلي من جسدها عندما اصطدمت بقدر ماء يغلي أثناء محاولتها الهروب من مكان انفجار صاروخ استهدف خيمة قريبة من مكان وجودها في مواصي خان يونس جنوبي القطاع.

وتعيش رنين اليوم مع ألم يتفاقم مع مرور الوقت، إذ بدأت الحروق في قدميها تتصلب تدريجيا، ما يهدد قدرتها على الحركة، إضافة إلى تشكل طبقة شمعية بعد التهاب الحروق من الدرجة الثالثة.

وتقول والدتها للجزيرة نت إن ابنتها أصبحت حبيسة الخيمة ولا تقوى على الحركة، موضحة أن كل يوم يمر دون علاج مناسب يقلل من فرص شفائها.

نقص حاد في الإمكانات الطبية

ويقول الدكتور محمود مهاني، أخصائي ورئيس قسم جراحات التجميل والترميم والحروق في مستشفى شهداء الأقصى بغزة، إن عددا من المصابين بالحروق جراء الحرب ما زالوا يعانون من مضاعفات صحية معقدة، أبرزها الندوب الشديدة والتشوهات الناتجة عن إصابات واسعة في الجلد.

واوضح مهاني للجزيرة نت أن كثيرا من هذه الحالات يحتاج إلى مراحل علاجية متقدمة للتعامل مع الندوب المتضخمة أو المتليفة، وهو ما يتطلب تدخلات طبية متعددة مثل حقن الكورتيزون واستخدام شرائح السيليكون، وأحيانا اللجوء إلى الاستئصال الجراحي للندبة.

واضاف أن بعض الندوب تمتد على مساحات كبيرة من الجسم، ما يجعل علاجها أكثر تعقيدا، خاصة عندما تغطي مناطق حساسة مثل الوجه أو اليدين أو الصدر والفخذين.

كما تكمن الخطورة -حسب مهاني- في حالات شد الندوب حول المفاصل، إذ قد يؤدي ذلك إلى إعاقة الحركة والتأثير على قدرة المصاب على المشي أو استخدام اليدين والأصابع بصورة طبيعية، فضلا عن التشوهات التي قد تصيب الوجه.

واشار إلى أن الطواقم الطبية تبذل ما بوسعها لتقديم العلاج المتاح، لكن نقص المعدات والأجهزة المتخصصة يحد من القدرة على إجراء بعض العمليات الضرورية.

واوضح أن التعامل مع الندوب الواسعة يحتاج إلى أجهزة متخصصة مثل أجهزة تمديد الأنسجة (البالون)، إضافة إلى أدوات جراحية دقيقة ومستلزمات حديثة تساعد في تقليل مدة العمليات وتحسين نتائجها.

لكن عدم توفر هذه المعدات في كثير من الأحيان يدفع الأطباء إلى التوصية بتحويل بعض الحالات للعلاج خارج القطاع، حيث تتوفر إمكانات وتجهيزات طبية أكثر تطورا.

ولفت مهاني إلى أن إجراءات السفر تمثل تحديا إضافيا، إذ يواجه المرضى بُطئا في المغادرة رغم وجود حالات بحاجة عاجلة لاستكمال علاجها خارج غزة.

آثار طويلة الأمد

بدوره، يقدر الدكتور فهد المدهون، المدير الطبي لمنظمة أطباء بلا حدود في غزة، أن نحو 35% من إجمالي إصابات الحرب كانت مصحوبة بحروق، وهي نسبة مرتفعة تعكس حجم العبء الطبي الذي تواجهه المنظومة الصحية في القطاع.

وقال المدهون للجزيرة نت إن نسبة كبيرة من مصابي الحرب ما زالت تعاني من تبعات الإصابات، لأن معظم الحروق التي تم التعامل معها كانت من الدرجة الثالثة، إضافة إلى حروق عميقة من الدرجة الثانية.

واوضح أن هذه الإصابات تحتاج إلى فترات علاج طويلة قد تمتد من 6 أشهر إلى عام كامل، وتشمل عمليات جراحية متكررة وبرامج تأهيل مكثفة.

واشار إلى أن المنظمة تمكنت حتى الآن من تأمين جزء كبير من الاحتياجات الأساسية لعملها، غير أن التحدي الأكبر يتعلق بالمرحلة المقبلة، إذ لم تدخل إمدادات أو معدات طبية جديدة منذ بداية العام الجاري.

وحذر المدهون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤثر على القدرة على تقديم الخدمات الطبية بنفس الكفاءة، خصوصا مع وجود حالات عديدة تحتاج إلى تدخل جراحي عاجل لمعالجة مضاعفات ما بعد الحروق.

واكد أن تاخير علاج هذه الحالات قد يؤدي إلى تفاقم الندوب المتليفة وزيادة النسيج المتضخم، إضافة إلى تيبس المفاصل وضعف الحركة، وهو ما يترك آثارا طويلة الأمد على حياة المصابين وقدرتهم على استعادة حياتهم الطبيعية.