تلقي التوترات المتصاعدة في المنطقة بظلالها القاتمة على قطاع غزة المحاصر، فرغم الهدوء النسبي الظاهر، تتزايد المخاوف من تداعيات الحرب الإسرائيلية الإيرانية على القطاع الذي يعاني أصلًا من أوضاع إنسانية واقتصادية صعبة. ومع إعلان الحكومة الإسرائيلية إغلاق معابر القطاع، بما فيها معبر رفح، تتفاقم الأزمة وتزداد حدة المعاناة.
وتزداد المخاوف من استغلال قوات الاحتلال لتفجر الأوضاع الإقليمية كذريعة لمواصلة التضييق على أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في غزة، إضافة إلى التهرب من استحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مؤخرا. ويرى مراقبون أن غزة ليست بمنأى عن تطورات الأحداث المتسارعة في المنطقة، وأنها ستكون عرضة لتبعات سياسية وأمنية واقتصادية وخيمة، خاصة أنها لم تتعافَ بعد من آثار الحروب المتتالية التي أنهكتها على مدار الأعوام الماضية.
ويرى محللون أن التصعيد بين إيران وإسرائيل، بمشاركة أمريكية مباشرة، يعيد ترتيب الأولويات في المنطقة، مما يؤثر سلبًا على مسار وقف إطلاق النار في غزة، ويعرقل جهود إعادة الإعمار وتحسين الأوضاع المعيشية.
سيناريوهات قاتمة
على الصعيد السياسي، يعتقد الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني وسام عفيفة أن غزة ليست ساحة معزولة، بل جزء من شبكة توازنات إقليمية معقدة. وأضاف أن التصعيد بين إيران وإسرائيل يعيد ترتيب الأولويات على مستوى الإقليم، مما ينعكس سياسيا على مسار وقف إطلاق النار في غزة.
وبين عفيفة أنه إذا انشغلت واشنطن بإدارة مواجهة أوسع وأطول مع إيران، فستتراجع أولوية الضغط على حكومة بنيامين نتنياهو لاستكمال المرحلة الثانية من الاتفاق، وحينها ستكون النتيجة إبطاء التنفيذ أو إعادة التفاوض تحت ذريعة "الظرف الأمني الإقليمي". واكد أنه إذا تحوّل الصراع إلى مواجهة إقليمية، فقد يستخدم نتنياهو ذلك لتأجيل الالتزامات المتعلقة بغزة، خاصة ما يتصل بالانسحاب أو إعادة الإعمار.
في المقابل، يشير عفيفة إلى أنه في حال شعرت حركة حماس أن المواجهة الإقليمية لم تكسر موقع "محور المقاومة"، فقد تميل إلى استثمار ذلك في بعض الملفات، أما إذا بدا أن إيران تتعرض لضغط كبير، فقد تضطر الحركة للتعامل مع واقع جديد وتكون أولويته الأساسية تثبيت وقف النار لحماية الجبهة الداخلية في غزة.
جولات التصعيد وتأثيرها
ويأتي اندلاع الحرب الإسرائيلية على إيران عقب جولات من التصعيد العسكري بين الطرفين منذ بدء الحرب على قطاع غزة. ففي أكتوبر الماضي، شنت طهران هجوما صاروخيا ضد إسرائيل ردا على اغتيال الاحتلال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس وعددا من قادة محور المقاومة، بإطلاق نحو 200 صاروخ باليستي تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وفي ذلك الوقت كانت الحرب على غزة على أشدها، وطالت الصواريخ الإيرانية أماكن تمركز جيش الاحتلال في محور نتساريم وسط قطاع غزة. وفي يونيو الماضي، انطلقت موجة تصعيد جديدة بين طهران وإسرائيل استمرت 12 يوما، بعدما شنت إسرائيل هجوما مفاجئا واسع النطاق على مواقع داخل إيران، بما في ذلك منشآت عسكرية، في عملية وُصفت بأنها استباقية لتدمير قدرات إيران النووية والعسكرية.
وردت إيران حينها بإطلاق صواريخ باليستية وطائرات مُسيّرة ضد أهداف في إسرائيل، وكان قطاع غزة في تلك الجولة في خضم الحرب الإسرائيلية، ويعاني سكانه من الجوع المتعمد بسبب إغلاق الاحتلال للمعابر ومنع إدخال المساعدات.
تبعات أمنية وخيارات صعبة
وتعيد الحرب على إيران تشكيل أولويات الصراع في المنطقة، وستنعكس على مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، كما يقول الباحث في الشأن الأمني والعسكري رامي أبو زبيدة. وأوضح أن دخول الولايات المتحدة بشكل مباشر في الحرب يعني عمليا انتقال مركز الاهتمام الأمريكي من ملف غزة إلى ساحة المواجهة مع إيران، الأمر الذي سيؤدي إلى تباطؤ واضح في الحراك السياسي المتعلق باتفاق التهدئة في غزة، وربما إلى حالة من الجمود شبه الكامل.
ولفت أبو زبيدة إلى أن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار تبدو في حالة شلل، خاصة أنها تتطلب قرارات حساسة ومفصلية، من بينها الانسحاب الإسرائيلي التدريجي، ونشر قوة استقرار دولية، وتشكيل لجنة لإدارة حكومة تكنوقراط، إلى جانب ترتيبات أمنية معقدة. ويرى أبو زبيدة أن غزة ستصبح تلقائيا ساحة متأثرة بأي تصعيد إقليمي، عبر 3 مسارات محتملة.
وأكد أبو زبيدة أن الحرب على إيران قد تمنح إسرائيل هامشا أوسع للمماطلة، وربما التشدد في شروطها، لا سيما فيما يتعلق بملف نزع سلاح المقاومة وإعادة ترتيب الواقع الأمني في قطاع غزة.
إنهاك اقتصادي وتفاقم الأزمة المعيشية
وفي التداعيات الاقتصادية، قال الباحث أحمد أبو قمر إن الاقتصاد الفلسطيني يرتبط بشكل شبه كامل بالاقتصاد الإسرائيلي، الأمر الذي يجعل أي خلل في سلاسل الإمداد داخل إسرائيل ينعكس بصورة مباشرة على الضفة الغربية وقطاع غزة. ونوه أبو قمر إلى أن استمرار إغلاق معبر رفح البري يحرم القطاع من تنويع مصادر إدخال البضائع، لا سيما أنه كان يخفف من حدة الاعتماد على معبر كرم أبو سالم، ويحد من آثار أي إغلاق أو قيود مفروضة.
وبين الباحث في الشأن الاقتصادي أن معابر غزة تُعد الحلقة الأكثر هشاشة في ظل الأزمات، إذ إن إغلاقها ليوم واحد ينعكس فورا على الأسواق، خاصة في ظل التحولات التي شهدها القطاع بعد الحرب. وأضاف: قبل الحرب، كان لدى غزة احتياطي غذائي يكفي لما لا يقل عن 6 أشهر، مما أتاح قدرة نسبية على امتصاص الصدمات المرتبطة بالأمن الغذائي، أما اليوم وبعد تدمير المستودعات والمخازن واستهداف مكونات السلة الغذائية، فقد تآكلت تلك القدرة بشكل كبير، وبات الاعتماد شبه كلي على الاستيراد من الخارج، وهو ما يجعل الأسواق شديدة الحساسية لأي تطور أمني أو إغلاق للمعابر.
وأكد الباحث في الشأن الاقتصادي أن هذا الواقع يخلق حالة من التشوه الاقتصادي في الأسواق، تتجلى في اضطراب الأسعار وارتفاعها بشكل مفاجئ، كما حدث مؤخرا. وحذر أبو قمر من أن استمرار التوترات الإقليمية، مع هشاشة البنية الاقتصادية في غزة، يضاعف من احتمالات تفاقم الأزمة المعيشية، ويجعل أي تصعيد عسكري في المنطقة عامل ضغط إضافيا على واقع اقتصادي منهك أصلا.
