في ظل التوترات المتصاعدة في المنطقة، فعلت مصر "غرفة الأزمات" في مجلس الوزراء، وذلك استعدادا لمواجهة أية تداعيات سلبية محتملة على الاقتصاد المصري، الذي يسعى جاهدا لتجاوز التحديات الراهنة وتحقيق معدلات نمو اقتصادية مرتفعة.

ورغم التأكيدات الحكومية المتكررة على توافر المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية لعدة أشهر قادمة، وتأمين إمدادات الغاز مع وضع خطط بديلة لضمان عدم تأثر قطاع الكهرباء، فإن وتيرة الأحداث المتسارعة واحتمالات تفاقم الأوضاع في المنطقة تثير قلقا متزايدا لدى المواطنين وخبراء الاقتصاد على حد سواء، خوفا من موجات جديدة من ارتفاع الأسعار ومستويات تضخم غير مسبوقة.

وكشفت وزارة الخارجية المصرية في بيان رسمي السبت، أنها تتابع عن كثب أوضاع الجاليات المصرية المقيمة في المنطقة، وكذلك حالة البعثتين المصريتين في كل من طهران وتل ابيب، وذلك على خلفية التطورات المتسارعة والتصعيد العسكري الحاصل، مبينة أنه لم يتم تسجيل أية اصابات في صفوف أبناء الجاليات المصرية حتى لحظة صدور البيان.

اجتماعات مكثفة لمواجهة الأزمة

وداخليا، عقد رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي سلسلة من اللقاءات المكثفة مع الوزراء المعنيين بالملفات المرتبطة بالسلع الغذائية والمواد البترولية، واكد وزير التموين المصري شريف فاروق لرئيس الوزراء، توافر مخزون آمن من مختلف السلع الأساسية يكفي لتلبية احتياجات السوق لعدة أشهر قادمة، مع استمرار الجهود المبذولة لضخ المزيد من السلع في الأسواق ومتابعة الأسعار بشكل مستمر، وذلك بهدف تحقيق الاستقرار المطلوب لصالح المواطنين.

وطمأن وزير البترول المصري كريم بدوي رئيس الوزراء، باستقرار حجم الاحتياطيات من المواد البترولية عند مستويات آمنة، مع ضمان استمرار تأمين الإمدادات المتنوعة لتلبية مختلف الاحتياجات، خاصة في القطاعات الإنتاجية، مشيرا إلى أن المرحلة الماضية شهدت تنفيذ العديد من الإجراءات لتعزيز الجاهزية لمواجهة أية سيناريوهات محتملة، وتم وضع خطط متكاملة تهدف إلى دعم سرعة الاستجابة في مواجهة أية متغيرات طارئة قد تطرأ على هذا القطاع، حسب بيان رسمي.

وبالمثل، اكد وزير الكهرباء المصري محمود عصمت، استقرار الأوضاع في الشبكة القومية للكهرباء بجميع قطاعاتها، مع ضمان استمرار تأمين إمدادات الغاز الطبيعي اللازمة لتشغيل المحطات، ووجود خطط بديلة تضمن استمرار عمل الشبكة واستمرارية التيار الكهربائي لتلبية مختلف الاستخدامات.

مخاوف من تداعيات الحرب

إلا أن هذه التأكيدات الحكومية بشأن استعداد مصر المسبق لمواجهة سيناريو الحرب، لم تقلل من حدة المخاوف لدى الشارع المصري من التداعيات السلبية المحتملة، خاصة وأن تصريحات حكومية سابقة كانت قد وعدت بتحسن الأوضاع الاقتصادية بحلول عام 2026، شريطة عدم حدوث تغيرات إقليمية كبيرة.

وحدد الباحث الاقتصادي والخبير في أسواق المال محمد مهدي عبد النبي، الآثار المتوقعة على الاقتصاد المصري، والمتمثلة في ارتفاع معدلات التضخم وتدهور سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار، بالإضافة إلى التأثيرات السلبية المتوقعة والسريعة على سوق المال.

وأوضح عبد النبي أن التداعيات الأولية والفورية للأحداث ستظهر بوضوح في سوق المال (البورصة) مع افتتاح التعاملات الصباحية يوم الأحد، وذلك تأثرا بالتراجع المتوقع في أسواق المال الخليجية.

تأثيرات محتملة على أسعار النفط

واضاف أنه مع بداية التداول في سوق النفط بالبورصات العالمية يوم الاثنين، من المتوقع أن نشهد ارتفاعا كبيرا في الأسعار نتيجة الضربات التي استهدفت دولا نفطية، ما يهدد عملية الإمدادات وينعكس بشكل مباشر على أسعار النفط عالميا، وبالتالي زيادة فاتورة استيراده على الدولة المصرية وتراجع سعر الجنيه مقابل الدولار، حسب تعبير عبد النبي.

وكان رئيس الوزراء المصري قد تعهد في وقت سابق بعدم رفع أسعار المحروقات في مصر بعد آخر تحريك لها في شهر اكتوبر الماضي، إلا في حال حدوث تطورات إقليمية تؤثر بشكل كبير على سوق النفط العالمية.

ويرى الباحث الاقتصادي أن كل هذه العوامل ستؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم، التي لن تتأثر فقط بالقوة الشرائية للمواطنين، بل أيضا بالأحداث الخارجية، ما قد يؤدي إلى موجات تضخمية أعمق قد تستمر حتى النصف الأول من عام 2026.

تضخم وارتفاع أسعار

يذكر أن معدل التضخم الشهري في مصر قد ارتفع في شهر يناير الماضي إلى 1.2 في المائة، بعد أن كان الارتفاع طفيفا في شهر ديسمبر الماضي بنسبة 0.2 في المائة.

ومن جانبه، قال الخبير الاقتصادي علي الادريسي، إن أي تصعيد عسكري تقوده ايران في منطقة الخليج، خاصة إذا وصل إلى حد اغلاق مضيق هرمز، سيمثل صدمة اقتصادية عالمية ستنعكس بشكل مباشر وغير مباشر على الاقتصاد المصري، فالمضيق يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، وأي تعطل لحركته يعني قفزة حادة في أسعار الطاقة وعودة موجات التضخم المستورد وارتفاع درجة عدم اليقين في الأسواق الدولية.

واضاف الادريسي في منشور له عبر حسابه على موقع فيسبوك، أن السيناريو الأخطر يتمثل في ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 110 أو 120 دولارا للبرميل، وفي هذه الحالة سترتفع فاتورة الواردات البترولية لمصر، ما سيضغط على ميزان المدفوعات والاحتياطي النقدي، ويزيد الحاجة إلى تدبير عملة أجنبية إضافية، ومع كون الطاقة عنصرا أساسيا في تكلفة النقل والانتاج، فإن الزيادة ستنتقل تدريجيا إلى أسعار السلع والخدمات، خاصة الغذاء والمنتجات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة.

تأثير على قناة السويس

وفي سياق متصل، يبدي مستشار الأكاديمية العسكرية للدراسات الاستراتيجية اللواء محمد الغباري، قلقه من عودة استهداف الحوثيين للسفن في البحر الأحمر، ما قد يؤدي إلى تدهور حركة الملاحة مجددا في قناة السويس، بعد التحسن الملحوظ الذي شهدته مع وقف الحرب في غزة في شهر اكتوبر الماضي.

يذكر أن خسائر قناة السويس المصرية نتيجة العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة، قد قدرت بما يقارب 9 مليارات دولار على مدار عامين.

ودفع هذا القلق المتزايد عضو مجلس النواب مصطفى بكري إلى المطالبة بعقد جلسة طارئة للمجلس، وذلك لبحث تداعيات التصعيد الإقليمي، محذرا من انعكاساته المباشرة على الأمن القومي المصري واستقرار منطقة الشرق الأوسط، وفقا لوسائل إعلام محلية.

إلا أن الغباري يرى أن الضربات العسكرية حتى الآن لا تزال محدودة، وتأتي في إطار سياسة لي الذراع بهدف دفع ايران إلى القبول بشروط المفاوضين، وهو أمر يستخدم أحيانا عند تعثر المفاوضات القائمة، ولا يعني بالضرورة انسداد المفاوضات أو الانتقال إلى حالة الحرب الواسعة.

وتواصل لجنة الأزمات في مجلس الوزراء متابعة الأوضاع والمستجدات على مدار الساعة، وذلك لعرضها على رئيس مجلس الوزراء، للاطلاع على مجريات الموقف وتطورات الأحداث وسيناريوهات الأزمة، والوقوف على تأثيراتها في دول المنطقة والداخل المصري، وفقا لبيان رسمي.