مع حلول شهر رمضان المبارك، تتضاعف معاناة الأسرى الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، حيث يتحول الشهر الفضيل إلى ذكرى أليمة تزيد من قسوة الظروف التي يعيشونها، فالانتقال من الحياة الطبيعية إلى واقع الأسر يكشف الفجوة الكبيرة بين عالم مليء بالمظاهر الرمضانية وعالم السجن المغلق والمراقب.

وكشف عدد من المحامين أن العديد من الأسرى لم يعلموا بحلول شهر رمضان إلا بعد مرور عدة أيام، وأن إدارة السجون لا تُعلم الأسرى بمواقيت الإفطار والإمساك، ما يزيد من صعوبة صيامهم، وقال الأسير المحرر عماد الإفرنجي إن العزل التام للأسرى يفقدُهم الإحساس بالوقت، وإن تقدير الوقت بالإجماع هو الحل الوحيد لتعويض غياب المعلومة.

وكان تحديد مواقيت الصلاة يعتمد في الغالب على الشمس والظل، بحسب ما رواه ناجي الجعفراوي، حيث تحدد صلاة الظهر عند تعامد الظل من نافذة الزنزانة الصغيرة، والعصر عند وصول ظل الشيء إلى مثله، أما المغرب فعند اختفائه، ثم العشاء بعده بساعة ونصف تقريبا.

تحديات العبادة في سجون الاحتلال

وأما صلاة الفجر، فكانت، بحسب محمد قاعود، الأكثر صعوبة، إذ يمنع غياب الضوء القدرة على التقدير، فكان كثيرون يتسحرون قبل النوم أو يمتنعون عن السحور خوفا من الوقوع في الخطأ، واكد المحررون أن الأسرى مفصولون تماما عن الزمن، بلا أي علم باليوم أو التاريخ أو السنة التي يعيشون فيها.

وبينما يجمع الأسرى المحررون على أن الاحتلال يستخدم التجويع أداة ابتزاز قاسية، فإنه في رمضان يتخذ من هذا السلاح بعدا أشد وطأة، ويستخدمه للإهانة والتضييق، ويقول الجعفراوي إن الإفطار والسحور كانا يؤخران عمدا، وأحيانا يوضع الطعام أمامهم والنهار لا يزال قائما، ويجبرون على الأكل قبل دخول الوقت.

واضاف قاعود أنه كثيرا ما كان الطعام يترك ساعات طويلة قبل توزيعه، مكشوفا أو مبللا أو مداسا بالأقدام، حتى يصبح مقززا وغير صالح للأكل، وروى أن السجانين كانوا أحيانا يتعمدون شواء اللحم مقابل الزنزانة ويوجهون المراوح نحو الأسرى كي تصلهم الرائحة بعد شهور من الحرمان من اللحم، في محاولة لكسرهم ودفعهم للاعتراف.

انتهاكات مضاعفة في رمضان

أما الإفرنجي، فيتوقف عند البعد النفسي للحظة الإفطار، ويوضح كنت ارفع اللقمة إلى فمي وأتساءل: هل عائلتي بخير؟ هل ياكلون الان؟ ام انهم جائعون؟ من منا يحتاج ان يدعو للاخر؟، ولفت إلى أن الاحتلال كان يتعمد قبيل الإفطار إجراء تنقلات واقتحامات وتحقيقات مفاجئة لإرباك الأسرى المنهكين من قلة الطعام.

ومن ناحيتها، اكدت مسؤولة الاعلام في نادي الاسير الفلسطيني اماني سراحنة أن ما رواه المحررون صورة متكررة وثقها النادي عبر مقابلات الاسرى وشهاداتهم، واضافت أن كثيرا من الاسرى يعتمدون عمليا على الصيام القسري بسبب قلة كميات الطعام ورداءتها، فيضطرون إلى ادخار وجبة النهار للافطار لانها لا تكفيهم.

ولا تتوقف ظروف رمضان عند الجوع، وفق سراحنة، فهناك سجون لا يتوفر فيها القران مطلقا، مما يضاعف من الشعور بالحرمان الروحي داخل الزنازين، واكد الجعفراوي ذلك وقال كان يسمح بمصحف واحد لكل 20 اسيرا، وعند اي مداهمة، كان المصحف يدعس او يمزق او يبصق عليه، واحيانا يسحب لاسابيع.

العبادة تحد في سجون الاحتلال

لذا، لم تكن العبادة داخل السجون بالنسبة للاسرى مجرد اداء ديني، بل معركة يومية تخاض تحت القمع والمطاردة، ويروي محمد قاعود الوجه الاكثر قسوة لها في سجن سدي تيمان، حيث تحولت الصلاة إلى جريمة تستدعي العقاب الفوري، وذكر أن مجرد الانحناء أو تحريك الشفاه كان كافيا لجر الاسير ارضا وضربه.

وفي السجون النظامية، قال الجعفراوي إنه وجدت فسحة محدودة للتعبد، لكنها خاضعة لكاميرات المراقبة، فالصلاة الجماعية ممنوعة والاذان محظور واي صوت يسمع يعني قمعا فوريا وتفريق الغرفة؛ لذلك كان كل اسير يؤدي عبادته منفردا، او يحاولون الصلاة سرا في مجموعات صغيرة من 4 اشخاص فقط.

ويستعيد تفاصيل حيل التخفي بالعبادة التي شملت خطبة الجمعة التي كانوا يقيمونها سرا، حيث كان يلقي الخطبة وهو جالس وبصوت لا يكاد يسمع، بينما يتوزع الاسرى في اوضاع متفرقة تخفي اي مظهر للتجمع؛ احدهم يمشي في الممر، واخر يستلقي على السرير، وثالث يجلس كانه يستريح، ورابع يتظاهر بالقراءة، هذا التفكك المتعمد كان تمويها جماعيا مصمما لخداع الكاميرات التي تلاحقهم بلا توقف.

ولفت الإفرنجي إلى أن رمضان كان موسما مكثفا للقمع، حيث تركز اثناء التراويح وقيام الليل وصلاة الجمعة، واستخدم فيه السجانون الغاز والفصل والارهاب، ورغم هذه القيود اليومية، بقيت العبادة الملاذ الاخير وحبل النجاة الذي يربط الاسرى بالله ويمنعهم من الانهيار.

من جهته، شدد المحامي خالد زبارقة على ان ما يعيشه الاسرى داخل السجون الاسرائيلية انتهاك صارخ للاعراف الدولية وحقوق الانسان، وقال إن ادارة السجون تتعامل مع رمضان على انه فرصة لمزيد من العقاب، عبر تضييقات متعمدة وسلب الحقوق الاساسية والتنكيل والاهانة والتجويع، وشح الاغطية والملابس، والاهمال الطبي الواضح، ومنع العلاج الاساسي.

ويظل سعي الاحتلال إلى تحويل كل لحظة عبادة أو صمود روحي إلى قمع وتعذيب، تحديا يقاوم الاسرى لانتزاع حقهم فيه انتزاعا، كما يؤكدون.