دعت مصر إلى تسوية القضايا العالقة بين واشنطن وطهران، وذلك بعد انتهاء مفاوضات جرت برعاية سلطنة عمان في جنيف، وسط حديث عن جولة جديدة وعدم التوصل إلى اتفاق وتصاعد الحشد العسكري.
ويرى خبراء أن هذا التحرك المصري المتواصل يعبر عن موقف إقليمي يرفض الحرب، ويأتي في إطار المصالح المشتركة، خاصة بعد النجاح في إبرام اتفاق بين طهران ووكالة الطاقة الذرية في سبتمبر الماضي، والذي لم يستمر طويلا.
وواصل وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، اتصالاته بتوجيهات رئاسية مع أطراف الأزمة، متمسكا بأهمية خفض التصعيد، وذلك في محادثات مع إيران وسلطنة عمان والولايات المتحدة.
تحركات دبلوماسية مكثفة لخفض التوتر
وأفادت وزارة الخارجية المصرية في بيان صحافي، بأن عبد العاطي أجرى اتصالين هاتفيين، بنظيره الإيراني عباس عراقجي، ومدير وكالة الطاقة الذرية، رفائيل غروسي، في إطار توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بالعمل على خفض التصعيد وحدة التوتر بالمنطقة.
وتناول الاتصالان الهاتفيان مجريات ومضمون جولة المفاوضات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران في جنيف.
واكد عبد العاطي موقف مصر الثابت الداعم للجهود الدبلوماسية لتسوية القضايا العالقة، مشيرا إلى الحرص على مواصلة المسار التفاوضي وتجنيب التصعيد بالمنطقة، دون تحديد طبيعة تلك القضايا، فيما تشير تقارير عربية وإيرانية عدة إلى أنها مرتبطة بالملف النووي والصواريخ الباليستية بصورة كبيرة.
مصر تحذر من تداعيات الحلول العسكرية
وأشار الوزير المصري الى أهمية تسوية الخلافات المعلقة وجميع الشواغل في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران والتوصل إلى حلول وسط، بعيدا عن الحلول العسكرية وتداعياتها الوخيمة.
واستؤنفت المحادثات بين طهران وواشنطن بسلطنة عُمان في 6 فبراير الحالي، بعد توقفها إثر الهجمات الإسرائيلية الأميركية على إيران في يونيو 2025، فيما جرت الجولة الثانية برعاية عُمانية في جنيف في 18 فبراير الحالي، قبل أن تنعقد الجلسة الثالثة بالمدينة السويسرية ذاتها الخميس.
ويرى خبير الشؤون الإيرانية، رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية، الدكتور محمد محسن أبو النور، أنه بات واضحا جدا في الوقت الراهن، أن الدولة المصرية تبذل جهودا كبيرة ومكثفة، بعضها مرئي يتم عبر القنوات الدبلوماسية ممثلة في وزارة الخارجية، والبعض الآخر ربما يكون غير مرئي عبر جهات أخرى، وذلك فيما يتعلق بملف التهدئة بين إيران والولايات المتحدة.
دور مصر الإقليمي في تحقيق الاستقرار
واوضح أبو النور أن هذا التحرك يأتي انطلاقا من المصلحة المصرية، وباعتبار مصر قوة استقرار في الإقليم، وهو ما يستدعي أن تشهد النزاعات الأميركية الإيرانية تخفيضا في حدة التوتر والصراع.
فيما أكد الخبير المصري المختص في الأمن الإقليمي والدولي، أحمد الشحات، أن الدور المصري مهم في محاولة احتواء الموقف وإثبات فاعلية هذا الدور، ويعد تعبيرا عن موقف إقليمي واسع يرفض الحرب، ويسعى لتنفيذ سياسة الاحتواء، ومخاطبة كل الأطراف لعدم تبني الخيار العسكري، ومحاولة الوصول إلى حالة توافقية والدعوة إلى ذلك.
واوضح الشحات أنه رغم تحركات التهدئة، فإن هناك فجوة على طاولة المفاوضات لم تحقق حالة التوافق، وتم تأجيل الاتفاق وسط تحشيد عسكري كبير في منطقة الشرق الأوسط، يفتح الباب أمام كل السيناريوهات بغض النظر عن أدوار الوساطة.
جهود مصرية متواصلة منذ أشهر
وهذه الجهود المصرية متواصلة منذ ضربة يونيو ضد طهران، وتنوعت بين اتصالات ولقاءات بين أطراف الأزمة.
وقبل انعقاد مفاوضات جنيف، أجرى عبد العاطي اتصالات هاتفية مع كل من نظيريه العماني بدر البوسعيدي وعراقجي وغروسي، بحسب بيان لـ«الخارجية المصرية» في 23 فبراير الحالي، مؤكداً أنه لا توجد حلول عسكرية لمختلف الأزمات والتحديات التي تواجه المنطقة.
ويرى أبو النور أن الجهود المصرية المتواصلة منذ شهور، ترتكز الآن على إعلاء صوت الدبلوماسية فوق صوت العمليات العسكرية في الإقليم، نظرا لأن المنطقة لم تعد تتحمل مزيدا من الحروب والصراعات والنزاعات، في إطار رغبة مصر في تحقيق استقرار مستدام يضمن انسيابية حركة الملاحة، ويدعم الملفات الاقتصادية والجيوستراتيجية.
تحذيرات من خيار الحرب في ظل التصلب
ومساء الخميس، أعلن وزير الخارجية العماني، الذي تقود بلاده وساطة بالأزمة، أن المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران ستُستأنف قريبا بعد انتهاء الجولة الثالثة في جنيف، وإحراز تقدم كبير فيها.
ويتوقع الشحات أنه في حال تم تجاوز مشهد الوساطة وعدم الاكتراث للأفكار الداعية للتهدئة، فإن المنطقة قد تشهد ضربة عسكرية، خصوصا في ظل رغبة إسرائيل في توريط الولايات المتحدة الأميركية بهذا المشهد.
ويعتقد أن سيناريو الضغط الأميركي على إيران للقبول بحلول توافقية تتفق حصراً مع الرؤية الأميركية هو سيناريو ضعيف في ظل المعطيات الحالية، مؤكداً أنه حال استمر أطراف التفاوض في التمسك بمواقفهم، فقد يجعل خيار الحرب هو الأقرب بدلا من التهدئة رغم الدور المصري المتميز وأدوار الوساطة الإقليمية.
