لم تعد السلطة التقنية مجرد ممارسة، بل هي تجربة معيشية تتغلغل في أعماق وعينا، ففي عصر تتسلل فيه النماذج الذكية إلى كل ركن من أركان حياتنا، لم تعد التكنولوجيا مجرد أدوات خارجية نسخرها لخدمتنا، بل أصبحت تشكل جوهر طريقة تفكيرنا، وذلك بهدوء ومهارة.
نحن اليوم لا نتعامل مع آلات نختارها، بل نكشف لها عن طيب خاطر أسرارًا قد لا نبوح بها لأقرب الناس إلينا، دون إدراك لنواياها أو حدود تأثيرها، فالذكاء الاصطناعي لم يعد يقتصر على عرض المعلومات، بل يعيد تشكيلها لتناسب نقاط ضعفنا، معتقداتنا، وهشاشتنا النفسية، فهو لا يكتفي بقراءة سلوكنا، بل يعيد توجيهه بأسلوب خفي وتدريجي، وفي عالم رقمي يعاد بناؤه ليناسب تفضيلات كل فرد، تصبح حرية الفكر مهددة بالتآكل بصمت ودون وعي أو مقاومة.
ولفهم الأبعاد العملية لهذه الظاهرة، لابد من إلقاء نظرة على تجربة واقعية تظهر كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يستخدم للتأثير في المجتمعات الرقمية بطرق غير ملحوظة.
تجربة ريديت: عندما يتحول البحث الأكاديمي إلى خيانة رقمية
ما بدا قبل سنوات مجرد خيال علمي قاتم، بدأ يتحول إلى واقع ملموس، ففي مطلع هذا العام، اكتشف مستخدمو منتدى شهير على موقع ريديت أن مجتمعهم قد تعرض لاختراق من قبل باحثين متخفين من جامعة زيورخ، قاموا بنشر أكثر من ألف تعليق تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، دون علم المشاركين.
لم يكن الهدف مجرد اختبار قوة الحجج، بل استخدمت تعليقات تتضمن قصصًا شخصية زائفة، مثل ادعاء أحد المعلقين بأنه مستشار نفسي أو ضحية اعتداء جنسي، وذلك بهدف تعزيز قوة الإقناع.
ووفقًا لتحقيق نشرته مجلة ذا اتلانتيك، قام هؤلاء الباحثون باختبار قدرة الخوارزميات على تغيير القناعات البشرية من خلال حجج مصممة بعناية، وقد نجحوا في ذلك.
الإقناع المخصص: جاذبية تنطوي على مخاطر
لكن الأمر بدا وكأنه انتهاك بالغ، خصوصا ان الذكاء الاصطناعي منح احيانا امكانية الوصول الى سجلات المستخدمين على الانترنت لتصميم رسائل موجهة خصيصا لهويّاتهم الفريدة.
يطلق خبراء السلوك على هذه الاستراتيجية في التواصل اسم "الإقناع المخصص"، وغالبًا ما يبدو النهج المخصص جذابًا، فمن لا يرغب في محتوى متوافق مع اهتماماته الشخصية بدلا من كم من المحتوى العشوائي وغير المتعلق به؟.
لكن الذكاء الاصطناعي يقف على أعتاب شيء أشد إثارة للقلق من مجرد تعديل الرسائل بشكل عام بناء على خصائص يمكن التعرف عليها بسهولة، كما فعلت الحسابات التي يديرها الذكاء الاصطناعي على "ريديت".
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعرفك أكثر مما تعرف نفسك؟
في ظل هذه القدرة المتنامية على التلاعب العاطفي والمعرفي، يبرز سؤال أكثر إلحاحا من أي وقت مضى: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي تنفيذ "التخصيص العميق" فعلا بشكل مستقل وعلى نطاق واسع؟
لكي يتمكن من ذلك، لابد له ان ينجز خطوتين اساسيتين، ويبدو انه في طريقه لتحقيقهما.
اولا، عليه ان يتعرف على الملف النفسي العميق لكل فرد، ليعرف "الازرار" التي يمكن الضغط عليها، وقد بدات الادلة في الظهور، اذ اظهرت دراسات ان الذكاء الاصطناعي قادر، بدرجة مقلقة من الدقة، على استنتاج السمات الشخصية لاشخاص فقط من منشوراتهم على "فيسبوك".
كيف نحمي وعينا في عصر "الإقناع المخصص"؟
من جهة المستخدم، من المهم أن يدرك أن التواصل الموجه أصبح واقعًا، فعندما تشعر أن رسالة ما "مصممة خصيصًا لك"، فغالبًا ما تكون كذلك، حتى وإن ظننت أنك لا تكشف الكثير عن نفسك على الإنترنت، فإنك تترك إشارات خفية في كل نقرة، وكل عملية بحث، وكل موقع تزوره.
وقد تكون منحت الإذن للمعلنين باستخدام هذه البيانات دون أن تدري، عبر موافقتك على شروط خدمة لم تقرأها بعناية، لذا، فإن مراجعة سلوكك الرقمي، واستخدام أدوات مثل الشبكة الخاصة الافتراضية "في بي إن"، يمكن أن تساعدك على تقليل هذا التعرض.
لكن المسؤولية لا تقع على الأفراد وحدهم، فعلى المنصات وصناع القرار العمل على سن قوانين واضحة تلزم بالإفصاح عن أي محتوى مخصص، وتحديد السبب الذي دفع إلى توجيهه لهذا الشخص بالذات.
بالنهاية، فان اي اداة تواصل يمكن استخدامها للخير او الشر، لكن الوقت قد حان لبدء نقاش جاد حول السياسات الاخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الاقناع والتواصل، قبل ان تبلغ هذه الادوات درجة من التطور تجعل السيطرة عليها امرا بالغ الصعوبة.
