تثير التقارير الاخبارية المتداولة حول امكانية اطلاق عملة مشفرة مستقرة لادارة الشؤون الاقتصادية في قطاع غزة العديد من التساؤلات حول طبيعة هذه العملات واهميتها والهدف من استخدامها، حيث يرى بعض المحللين انها قد تكون اداة للسيطرة الاسرائيلية والامريكية على القطاع، بهدف تجفيف مصادر تمويل المقاومة الفلسطينية، خاصة وان المقترح جاء من ضابط اسرائيلي سابق.

وكانت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية قد ذكرت ان مسؤولين في مجلس السلام، بقيادة الرئيس الامريكي دونالد ترامب، يبحثون امكانية اطلاق عملة مشفرة مستقرة في القطاع، وذلك بسبب تضرر النظام المصرفي التقليدي وانظمة الدفع المعتادة نتيجة للحرب التي شنتها اسرائيل في 7 اكتوبر/تشرين الاول 2023.

ووفقا لصحيفة فايننشال تايمز، يقود رجل الاعمال الاسرائيلي ليران تانكمان، وهو ضابط احتياط سابق في الجيش الاسرائيلي ويعمل "مستشارا متطوعا" في مجلس السلام، الجهود لتطبيق فكرة العملة المشفرة في غزة.

العملة المشفرة المستقرة: تعريف وآلية الاصدار

يقدم بنك انجلترا تعريفا مبسطا للعملة المشفرة المستقرة، مبينا انها "نوع من الاصول الرقمية التي يمكن استخدامها للمدفوعات"، وهي بذلك تختلف عن الاموال السائلة او تلك الموجودة في الحسابات المصرفية.

والعملة المستقرة تكون مدعومة باصل معين او سلة من الاصول لضمان قيمة مستقرة لها، وعادة ما تكون هذه الاصول باحدى العملات الرئيسية مثل الدولار الامريكي، وهذا ما يميز العملة المستقرة عن غيرها من العملات المشفرة التي لا تعتمد على اصول لدعمها، ومن ثم تكون اكثر عرضة للتقلبات.

وتشترك العملة المستقرة مع عملة بتكوين في كونهما من العملات المشفرة، لكن الاختلاف بينهما يكمن في ان قيمة بتكوين قد تتحرك صعودا وهبوطا بسرعة لانها غير مدعومة باصول حقيقية، مما يجعلها اكثر عرضة للمخاطر، وهذا من اسباب قلة استخدامها لتسوية المدفوعات عبر الحدود.

ويتم اصدار العملة المستقرة عبر مراحل عدة قد تشارك فيها شركات مختلفة كما يلي:

  • اولا: تصدر شركة عملة مستقرة، ومقابلها تحتفظ بما يعادل قيمتها بعملة دولية مثل الدولار الامريكي.
  • ثانيا: يتم اصدار العملة المستقرة للجمهور عبر ما يعرف باسم سجل المعاملات (ledger)، وترتبط قيمتها بالاصول التي تملكها الشركة المصدرة لها، وهذا يعني انه يمكن لحامل العملة المستقرة ان يستبدل بها اموالا في حسابه المصرفي، اذا رغب في ذلك، بسهولة ودون خسارة.
  • ثالثا: تصدر شركة اخرى محفظة رقمية (digital wallet) يمكن استخدامها عبر الهواتف او اجهزة الكمبيوتر لانجاز المعاملات المختلفة عن طريق الدفع عبر المحافظ الرقمية، وليس من خلال حسابات البنوك، وهذا يعطيها امكانية الوصول لدول مختلفة، اذ ان موافقة البنوك على فتح الحسابات تخضع لشروط كثيرة، بخلاف المحافظ الرقمية.

تفاصيل حول العملة المشفرة المقترحة لغزة

نقلت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية عن مصادر مطلعة ان مسؤولين في مجلس السلام يبحثون امكانية اطلاق عملة مشفرة مستقرة في القطاع، وذلك في محاولة لاعادة بناء اقتصاد غزة الذي دمرته الحرب الاسرائيلية.

واوضحت الصحيفة ان المحادثات بشان تلك العملة المشفرة ما تزال في مرحلة اولية، وان الكثير من التفاصيل التنفيذية بشانها ما تزال غامضة.

ونقلت الصحيفة عن مصدر مطلع قوله انه من المنتظر ان يتم ربط العملة المستقرة في غزة بالدولار، وان تدعم شركات فلسطينية وخليجية لها خبرة في مجال العملات الرقمية مشروع العملة المشفرة.

واوضح احد المصادر للصحيفة نفسها ان هذه العملة المشفرة المستقرة لن تكون عملة لغزة او عملة فلسطينية جديدة، وانما ستكون وسيلة لسكان القطاع لاجراء المعاملات رقميا.

ووفق فايننشال تايمز، فان رجل الاعمال والضابط السابق في الجيش الاسرائيلي ليران تانكمان، هو الذي يقف وراء هذه الفكرة ويقود الجهود لاعتمادها، واضافت ان من بين الاطراف المنخرطة في هذا المشروع اللجنة الوطنية لادارة قطاع غزة المكونة من 14 عضوا، فضلا عن مكتب الممثل السامي لغزة في مجلس السلام نيكولاي ملادينوف.

واضاف المصدر للصحيفة ان مجلس السلام في غزة واللجنة الوطنية لادارة قطاع غزة سيحددان الاطار التنظيمي للعملة المقترحة، لكنه اوضح انه "لم يتم الانتهاء من اي شيء" حتى الان.

تأثير العملة المشفرة على اقتصاد غزة

يقول الخبير الاقتصادي والمستشار السابق بصندوق النقد الدولي زيان زوانة انه من المبكر التكهن بطرح هذه العملة وبتأثيرها على اقتصاد قطاع غزة وعلى المعاملات اليومية فيه، خاصة في ظل الترقب السائد في المنطقة نظرا للتوتر بين ايران وامريكا واسرائيل.

واضاف انه يمكن النظر للموضوع من عدة نواح قد تكون من اسباب السعي لاقرار مثل هذه العملة ومنها:

  • رغبة اسرائيل في توظيف اخر تطورات التكنولوجيا المالية للتجسس على كل تفاصيل الحياة في غزة، لانها تعتبر ان فشلها في حرب اكتوبر/تشرين الاول 2023 (عملية طوفان الاقصى) حالة يجب الا تتكرر.
  • رغبة الرئيس الامريكي في تجربة اخر تطورات تكنولوجيا العملات المشفرة ووضعها في محك التجربة والاستعمال الفعلي لتكون خلاصاتها مفيدة للادارة الامريكية في تعاملها مع العملات المشفرة داخل امريكا وبقية انحاء العالم، خاصة في ظل تراجع موثوقية السندات الحكومية الامريكية في الاسواق العالمية.
  • سعي الطرف الامريكي الاسرائيلي الى ان تكون غزة "مختبرا لتجارب اقتصادية نقدية وتجسسية" بدون اي كلفة.

ومن جهة اخرى نقلت فايننشال تايمز عن مصدر تاكيده ان اطلاق العملة المستقرة سيؤدي الى تعميق الفصل الاقتصادي بين قطاع غزة والضفة الغربية، لانه لن تكون للسلطة الوطنية الفلسطينية في رام الله سيطرة على العملة المقترحة او على طريقة ادارتها.

العملة المشفرة وتأثيرها المحتمل على المقاومة

يقول المصدر نفسه ان الهدف من العملة المستقرة هو "تجفيف السيولة في غزة" لكي لا تتمكن حركة المقاومة الاسلامية (حماس) من استخدامها، مشيرا الى ان هذا الهدف قد لا يتحقق لان حماس تمكنت قبل الحرب في قطاع غزة واثناءها من نقل الاموال بطرق مختلفة الى القطاع.

وفي السياق نفسه نقلت وكالة الاناضول عن مرصد حقوق الانسان الاورومتوسطي ومقره جنيف تحذيره من ان المحافظ الرقمية في ظل هذا النظام يمكن ان تصبح من "اسلحة الابادة الجماعية الصامتة" في غزة.

ووفق المرصد، فان الخطط الامريكية والاسرائيلية تهدف الى تحويل غزة الى منطقة مجردة من سيادتها المالية، من خلال الغاء التعامل النقدي والتحول الى نموذج اقتصادي رقمي تسيطر عليه جهات خارجية موالية لاسرائيل.

سبل مواجهة المقاومة لتأثير العملة المشفرة

تحدثت تقارير صحيفة في الماضي عن ان العملات المشفرة هي احد اساليب التمويل التي تعتمدها المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.

وقالت صحيفة وول ستريت جورنال الامريكية في تقرير لها يوم 10 اكتوبر/تشرين الاول 2023 ان محافظ العملات المشفرة المرتبطة بحركة حماس تلقت نحو 41 مليون دولار امريكي بين عامي 2020 و2023، وان محافظ مرتبطة بحركة الجهاد الاسلامي تلقت هي الاخرى ما يصل الى 93 مليون دولار امريكي في الفترة نفسها.

لذلك يرى بعض المحللين ان العملة المشفرة المتوقعة لن تؤثر كثيرا على المقاومة، وان العملات المشفرة بشكل عام هي احدى الطرق التي قد تلجا اليها حماس لمواجهة الضغوط الناجمة عن تجفيف السيولة ومنع المعاملات المالية المباشرة.

كما يرى اخرون ان العملة المستقرة الموعود بها لن تنجح بسبب غياب البنية التحتية اللازمة لاعتمادها، فاسرائيل دمرت محطات الكهرباء، وسكان غزة يعانون من الانقطاع المستمر للانترنت، وبدون هاتين الوسيلتين لا قيمة لعملة مشفرة.